« فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ »
. .
شردوا ومزقوا ؛ وتفرقوا في أنحاء الجزيرة مبددي الشمل ؛ وعادوا أحاديث يرويها الرواة ، وقصة على الألسنة والأفواه . بعد أن كانوا أمة ذات وجود في الحياة .
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »
. .
يذكر الصبر إلى جوار الشكر . . الصبر في البأساء . والشكر في النعماء . وفي قصة سبأ آيات لهؤلاء وهؤلاء .
هذا فهم في الآية . وهناك فهم آخر . فقد يكون المقصود بقوله :
« وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً »
. . أي قرى غالبة ذات سلطان . بينما تحول سبأ إلى قوم فقراء ، حياتهم صحراوية جافة . وكثرت أسفارهم وانتقالاتهم وراء المراعي ومواضع الماء . فلم يصبروا على الابتلاء . وقالوا :
« رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا »
. .
أي قلل من أسفارنا فقد تعبنا . ولم يصحبوا هذا الدعاء باستجابة وإنابة للّه تستحق استجابته لدعائهم . وكانوا قد بطروا النعمة ، ولم يصبروا للمحنة . ففعل اللّه بهم ما فعل ، ومزقهم كل ممزق ؛ فأصبحوا أثرا بعد عين ، وحديثا يروى وقصة تحكى . . ويكون التعقيب :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »
. . مناسبا لقلة شكرهم على النعمة ، وقلة صبرهم على المحنة . . وهو وجه رأيته في الآية واللّه أعلم بمراده .
وفي ختام القصة يخرج النص من اطار القصة المحدود ، إلى اطار التدبير الإلهي العام ، والتقدير المحكم الشامل ، والسنة الإلهية العامة ؛ ويكشف عن الحكمة المستخلصة من القصة كلها ، وما يكمن فيها وخلفها من تقدير وتدبير :
« وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ . إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ . وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ »
. .
لقد سلك القوم هذا المسلك ، الذي انتهى إلى تلك النهاية ، لأن إبليس صدق عليهم ظنه في قدرته على غوايتهم ، فأغواهم ،
« فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . كما يقع عادة في الجماعات فلا تخلو من قلة مؤمنة تستعصي على الغواية ؛ وتثبت أن هنالك حقا ثابتا يعرفه من يطلبه ؛ ويمكن لكل من أراد أن يجده وأن يستمسك به ، حتى في أحلك الظروف . وما كان لإبليس من سلطان قاهر عليهم لا يملكون رفعه . فليس هنالك قهر لهم منه ولا سيطرة عليهم له . إنما هو تسليطه عليهم ليثبت على الحق من يثبت ، وليزيغ منهم من لا يبتغي الحق ويتحراه . وليظهر في عالم الواقع
« مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ »
فيعصمه إيمانه من الانحراف ،
« مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ »
. .
فهو يتأرجح أو يستجيب للغواية . بلا عاصم من رقابة للّه ولا تطلع لليوم الآخر .
واللّه يعلم ما يقع قبل ظهوره للناس . ولكنه سبحانه يرتب الجزاء على ظهوره ووقوعه فعلا في دنيا الناس .
وفي هذا المجال الواسع المفتوح . مجال تقدير اللّه وتدبيره للأمور والأحداث . ومجال غواية إبليس للناس ، بلا سلطان قاهر عليهم ، إلا تسليطه ليظهر المكنون في علم اللّه من المصائر والنتائج . . في هذا المجال الواسع تتصل قصة سبأ بقصة كل قوم ، في كل مكان وفي كل زمان . ويتسع مجال النص القرآني ومجال هذا التعقيب ، فلا يعود قاصرا على قصة سبأ ، إنما يصلح تقريرا لحال البشر أجمعين . فهي قصة الغواية والهداية وملابساتهما وأسبابهما وغاياتهما ونتائجهما في كل حال .
« وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ »
. .