والسابغات الدروع . روي أنها كانت تعمل قبل داود - عليه السّلام - صفائح . الدرع صفيحة واحدة ، فكانت تصلب الجسم وتثقله . فألهم اللّه داود أن يصنعها رقائق متداخلة متموجة لينة يسهل تشكيلها وتحريكها بحركة الجسم ؛ وأمر بتضييق تداخل هذه الرقائق لتكون محكمة لا تنفذ منها الرماح . وهو التقدير في السرد .
وكان الأمر كله إلهاما وتعليما من اللّه .
وخوطب داود وأهله :
« وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
. .
لا في الدروع وحدها بل في كل ما تعملون ؛ مراقبين اللّه الذي يبصر ما تعملون ويجازي عليه ، فلا يفلت منه شيء ، واللّه به بصير . .
ذلك ما آتاه اللّه داود - عليه السّلام - فأما سليمان فقد آتاه اللّه أفضالا أخرى :
« وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ ، وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ، وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ . وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ . يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ . وَقُدُورٍ راسِياتٍ . اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً . وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »
.
وتسخير الريح لسليمان تتكاثر حوله الروايات ، وتبدو ظلال الإسرائيليات واضحة في تلك الروايات - وإن تكن كتب اليهود الأصلية لم تذكر شيئا عنها - والتحرج من الخوض في تلك الروايات أولى . والاكتفاء بالنص القرآني أسلم . مع الوقوف به عند ظاهر اللفظ لا نتعداه . ومنه يستفاد أن اللّه سخر الريح لسليمان ، وجعل غدوها أي توجهها غادية إلى بقعة معينة ( ذكر في سورة الأنبياء أنها الأرض المقدسة ) يستغرق شهرا ، ورواحها أي انعكاس اتجاهها في الرواح يستغرق شهرا كذلك . وفق مصلحة تحصل من غدوها ورواحها ، يدركها سليمان - عليه السّلام - ويحققها بأمر اللّه . . ولا نملك أن نزيد هذا إيضاحا حتى لا ندخل في أساطير لا ضابط لها ولا تحقيق .
« وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ »
. .
والقطر النحاس . وسياق الآيات يشير إلى أن هذا كان معجزة خارقة كإلانة الحديد لداود . وقد يكون ذلك بأن فجر اللّه له عينا بركانية من النحاس المذاب من الأرض . أو بأن ألهمه اللّه إذابة النحاس حتى يسيل ويصبح قابلا للصب والطرق . وهو فضل من اللّه كبير .
« وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ »
. .
وكذلك سخر له طائفة من الجن يعملون بأمره بإذن ربه . والجن كل مستور لا يراه البشر . وهناك خلق سماهم اللّه الجن ولا نعرف نحن من أمرهم شيئا إلا ما ذكره اللّه عنهم . وهو يذكر هنا أن اللّه سخر طائفة منهم لنبيه سليمان - عليه السّلام - فمن عصى منهم ناله عذاب اللّه :
« وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ »
. .
ولعل هذا التعقيب - قبل الانتهاء من قصة التسخير - يذكر على هذا النحو لبيان خضوع الجن للّه . وكان بعض المشركين يعبدهم من دون اللّه . وهم مثلهم معرضون للعقاب عندما يزيغون عن أمر اللّه .
وهم مسخرون لسليمان - عليه السّلام - :