ولا سبيل لأن يدعوا ملكية شيء في السماوات أو في الأرض . فالمالك لشيء يتصرف فيه وفق مشيئته . فما ذا يملك أولئك المزعومون من دون اللّه ؟ وفي أي شيء يتصرفون تصرف المالك في هذا الكون العريض ؟
لا يملكون في السماوات والأرض مثقال ذرة ملكية خالصة ، ولا على سبيل المشاركة :
« وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ »
. .
واللّه - سبحانه - لا يستعين بهم في شيء . فما هو في حاجة إلى معين :
« وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ »
. .
ويظهر أن الآية هنا تشير إلى نوع خاص من الشركاء المزعومين . وهم الملائكة الذين كانت العرب تدعوهم بنات اللّه ؛ وتزعم لهم شفاعة عند اللّه . ولعلهم ممن قالوا عنهم :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
. .
ومن ثم نفى شفاعتهم لهم في الآية التالية . وذلك في مشهد تتفزع له الأوصال في حضرة ذي الجلال :
« وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ »
. .
فالشفاعة مرهونة بإذن اللّه . واللّه لا يأذن في الشفاعة في غير المؤمنين به المستحقين لرحمته . فأما الذين يشركون به فليسوا أهلا لأن يأذن بالشفاعة فيهم ، لا للملائكة ولا لغيرهم من المأذونين بالشفاعة منذ الابتداء ! ثم صور المشهد الذي تقع فيه الشفاعة ؛ وهو مشهد مذهل مرهوب :
« حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا : الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ »
. .
إنه مشهد في اليوم العصيب . يوم يقف الناس ، وينتظر الشفعاء والمشفوع فيهم أن يتأذن ذو الجلال في عليائه بالشفاعة لمن ينالون هذا المقام . ويطول الانتظار . ويطول التوقع . وتعنو الوجوه . وتسكن الأصوات . وتخشع القلوب في انتظار الإذن من ذي الجلال والإكرام .
ثم تصدر الكلمة الجليلة الرهيبة ، فتنتاب الرهبة الشافعين والمشفوعين لهم . ويتوقف إدراكهم عن الإدراك .
« حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ »
. . وكشف الفزع الذي أصابهم ، وأفاقوا من الروعة التي غمرتهم فأذهلتهم .
« قالُوا : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ »
يقولها بعضهم لبعض . لعل منهم من يكون قد تماسك حتى وعى .
« قالُوا : الْحَقَّ »
. .
ولعلهم الملائكة المقربون هم الذين يجيبون بهذه الكلمة المجملة الجامعة :
« قالُوا الْحَقَّ »
. قال ربكم : الحق .
الحق الكلي . الحق الأزلي . الحق اللدني . فكل قوله الحق .
« وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ »
. . وصف في المقام الذي يتمثل فيه العلو والكبر للإدراك من قريب . .
وهذه الإجابة المجملة تشي بالروعة الغامرة ، التي لا ينطق فيها إلا بالكلمة الواحدة ! فهذا هو موقف الشفاعة المرهوب . وهذه صورة الملائكة فيه بين يدي ربهم . فهل بعد هذا المشهد يملك أحد أن يزعم أنهم شركاء للّه ، شفعاء في من يشرك باللّه ؟ ! ذلك هو الإيقاع الأول ، في ذلك المشهد الخاشع الواجف المرهوب العسير . ويليه الإيقاع الثاني عن الرزق الذي يستمتعون به ، ويغفلون عن مصدره ، الدال على وحدة الخالق الرازق . الباسط القابض ، الذي ليس له شريك :
« قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . قُلِ : اللَّهُ . وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. .
والرزق مسألة واقعة في حياتهم . رزق السماء من مطر وحرارة وضوء ونور . . ذلك فيما كان يعرفه المخاطبون