تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2528

مساهمون:

ص٢٥٢٨
« وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ . قُلْ : لا تُقْسِمُوا . طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ . إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . قُلْ : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ . وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا . وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ »
. . ولقد كان المنافقون يقسمون لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لئن أمرهم بالخروج إلى القتال ليخرجن . واللّه يعلم إنهم لكاذبون . فهو يرد عليهم متهكما ، ساخرا من أيمانهم :
« قُلْ : لا تُقْسِمُوا . طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ »
. . لا تحلفوا فإن طاعتكم معروف أمرها ، مفروغ منها ، لا تحتاج إلى حلف أو توكيد ! كما تقول لمن تعلم عليه الكذب وهو مشهور به : لا تحلف لي على صدقك . فهو مؤكد ثابت لا يحتاج إلى دليل . ويعقب على التهكم الساخر بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ »
. . فلا يحتاج إلى قسم ولا توكيد ، وقد علم أنكم لا تطيعون ولا تخرجون ! لهذا يعود فيأمرهم بالطاعة . الطاعة الحقيقية . لا طاعتهم تلك المعروفة المفهومة !
« قُلْ : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ »
. .
« فَإِنْ تَوَلَّوْا »
وتعرضوا ، أو تنافقوا ولا تنفذوا
« فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ »
من تبليغ الرسالة وقد قام به وأداه
« وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ »
وهو أن تطيعوا وتخلصوا . وقد نكصتم عنه ولم تؤدوه :
« وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا »
إلى المنهج القويم المؤدي إلى الفوز والفلاح .
« وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ »
فليس مسؤولا عن إيمانكم ، وليس مقصرا إذا أنتم توليتم . إنما أنتم المسؤولون المعاقبون بما توليتم وبما عصيتم وبما خالفتم عن أمر اللّه وأمر الرسول . وبعد استعراض أمر المنافقين ، والانتهاء منه على هذا النحو . . يدعهم السياق وشأنهم ، ويلتفت عنهم إلى المؤمنين المطيعين ، يبين جزاء الطاعة المخلصة ، والإيمان العامل ، في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير :
« وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ؛ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ؛ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً . يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً . وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
. . ذلك وعد اللّه للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - أن يستخلفهم في الأرض . وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم . وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا . . ذلك وعد اللّه . ووعد اللّه حق . ووعد اللّه واقع . ولن يخلف اللّه وعده . . فما حقيقة ذلك الإيمان ؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف ؟ إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد اللّه حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله ؛ وتوجه النشاط الإنساني كله . فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى اللّه ؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه اللّه ؛ وهي طاعة للّه واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة ، لا يبقى معها هوى في النفس ، ولا شهوة في القلب ، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من عند اللّه . فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله ، بخواطر نفسه ، وخلجات قلبه . وأشواق روحه ، وميول فطرته ، وحركات جسمه ، ولفتات جوارحه ، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا . ويتوجه بهذا كله إلى اللّه . . يتمثل هذا في قول اللّه سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن :
« يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً »
والشرك مداخل وألوان ، والتوجه إلى غير اللّه بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك باللّه .