إنما هي العدالة المطلقة ، التي لا يطيقها تشريع غير تشريع اللّه ، ولا يحققها حكم غير حكمه .
من أجل ذلك كان الذين لا يرتضون حكم اللّه ورسوله هم الظالمون ، الذين لا يريدون للعدالة أن تستقر ؛ ولا يحبون للحق أن يسود . فهم لا يخشون في حكم اللّه حيفا ، ولا يرتابون في عدالته أصلا
« بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
. .
فأما المؤمنون حقا فلهم أدب غير هذا مع اللّه ورسوله . ولهم قول آخر إذا دعوا إلى اللّه ورسوله ليحكم بينهم ؛ هو القول الذي يليق بالمؤمنين ؛ وينبئ عن إشراق قلوبهم بالنور :
« إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا : سَمِعْنا وَأَطَعْنا . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
. .
فهو السمع والطاعة بلا تردد ولا جدال ولا انحراف . السمع والطاعة المستمدان من الثقة المطلقة في أن حكم اللّه ورسوله هو الحكم وما عداه الهوى ؛ النابعان من التسليم المطلق للّه ، واهب الحياة ، المتصرف فيها كيف يشاء ؛ ومن الاطمئنان إلى أن ما يشاؤه اللّه للناس خير مما يشاءونه لأنفسهم . فاللّه الذي خلق أعلم بمن خلق . .
« وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
. . المفلحون لأن اللّه هو الذي يدبر أمورهم ، وينظم علاقاتهم ، ويحكم بينهم بعلمه وعدله ؛ فلا بد أن يكونوا خيرا ممن يدبر أمورهم ، وينظم علاقاتهم ، ويحكم بينهم بشر مثلهم ، قاصرون لم يؤتوا من العلم إلا قليلا . . والمفلحون لأنهم مستقيمون على منهج واحد ، لا عوج فيه ولا التواء ، مطمئنون إلى هذا المنهج ، ماضون فيه لا يتخبطون ، فلا تتوزع طاقاتهم ، ولا يمزقهم الهوى كل ممزق ، ولا تقودهم الشهوات والأهواء . والنهج الإلهي أمامهم واضح مستقيم .
« وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ »
. .
وقد كان الحديث في الآية السابقة عن الطاعة والتسليم في الأحكام . فالآن يتحدث عن الطاعة كافة في كل أمر أو نهي ، مصحوبة هذه الطاعة بخشية اللّه وتقواه . والتقوى أعم من الخشية ، فهي مراقبة اللّه والشعور به عند الصغيرة والكبيرة ؛ والتحرج من إتيان ما يكره توقيرا لذاته سبحانه ، وإجلالا له ، وحياء منه ، إلى جانب الخوف والخشية .
ومن يطع اللّه ورسوله ويخش اللّه ويتقه فأولئك هم الفائزون ، الناجون في دنياهم وأخراهم . وعد اللّه ولن يخلف اللّه وعده . وهم للفوز أهل ، ولديهم أسبابه من واقع حياتهم . فالطاعة للّه ورسوله تقتضي السير على النهج القويم الذي رسمه اللّه للبشرية عن علم وحكمة ، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة .
وخشية اللّه وتقواه هي الحارس الذي يكفل الاستقامة على النهج ، وإغفال المغريات التي تهتف بهم على جانبيه ، فلا ينحرفون ولا يلتفتون .
وأدب الطاعة للّه ورسوله ، مع خشية اللّه وتقواه ، أدب رفيع ، ينبئ عن مدى إشراق القلب بنور اللّه ، واتصاله به ، وشعوره بهيبته . كما ينبئ عن عزة القلب المؤمن واستعلائه . فكل طاعة لا ترتكن على طاعة اللّه ورسوله ، ولا تستمد منها ، هي ذلة يأباها الكريم ، وينفر منها طبع المؤمن ، ويستعلي عليها ضميره .
فالمؤمن الحق لا يحني رأسه إلا للّه الواحد القهار .
وبعد هذه المقابلة بين حسن أدب المؤمنين ، وسوء أدب المنافقين الذين يدعون الإيمان ، وما هم بمؤمنين ، بعد هذه المقابلة يعود إلى استكمال الحديث عن هؤلاء المنافقين :