تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2525

مساهمون:

ص٢٥٢٥
الأصيل . موضوع الآداب التي يربي عليها القرآن الجماعة المسلمة ، لتتطهر قلوبها وتشرق ، وتتصل بنور اللّه في السماوات والأرض . ولقد تناول في الدرس الماضي حديث الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة . وحديث الذين كفروا وأعمالهم ومآلهم ، وما هم فيه من ظلمات بعضها فوق بعض . فالآن في هذا الدرس يتحدث عن المنافقين ، الذين لا ينتفعون بآيات اللّه المبينات ولا يهتدون . فهم يظهرون الإسلام ، ولكنهم لا يتأدبون بأدب المؤمنين في طاعة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وفي الرضى بحكمه ، والطمأنينة إليه . ويوازن بينهم وبين المؤمنين الصادقين في إيمانهم . أولئك الذين وعدهم اللّه الاستخلاف في الأرض ، والتمكين في الدين ، والأمن في المقام ، جزاء لهم على أدبهم مع اللّه ورسوله . وطاعتهم للّه ورسوله . وذلك على الرغم من عداء الكافرين . وما الذين كفروا بمعجزين في الأرض ومأواهم النار وبئس المصير . .
« لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. . فآيات اللّه مبينة كاشفة ؛ تجلو نور اللّه ، وتكشف عن ينابيع هداه . وتحدد الخير والشر ، والطيب والخبيث . وتبين منهج الإسلام في الحياة كاملا دقيقا لا لبس فيه ولا غموض ؛ وتحدد أحكام اللّه في الأرض بلا شبهة ولا إبهام . فإذا تحاكم الناس إليها فإنما يتحاكمون إلى شريعة واضحة مضبوطة ، لا يخشى منها صاحب حق على حقه ؛ ولا يلتبس فيها حق بباطل ، ولا حلال بحرام .
« وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. . والمشيئة مطلقة لا يقيدها قيد . غير أن اللّه سبحانه قد جعل للهدى طريقا ، من وجه نفسه إليه وجد فيه هدى اللّه ونوره ، فاتصل به ، وسار على الدرب ، حتى يصل - بمشيئة اللّه - ومن حاد عنه وأعرض فقد النور الهادي ولج في طريق الضلال . حسب مشيئة اللّه في الهدى والضلال . ومع هذه الآيات المبينات يوجد ذلك الفريق من الناس . فريق المنافقين ، الذين كانوا يظهرون الإسلام ولا يتأدبون بأدب الإسلام :
« وَيَقُولُونَ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا . ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ . وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ . وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ؟ أَمِ ارْتابُوا ؟ أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ؟ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
. . إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك . والإسلام عقيدة متحركة ، لا تطيق السلبية . فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج ؛ ولتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في عالم الواقع . ومنهج الإسلام الواضح في التربية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية ؛ وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة أو قانون . مع استحياء الدافع الشعوري الأول في كل حركة ، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل . وهؤلاء كانوا يقولون :
« آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا »
. . يقولونها بأفواههم ، ولكن مدلولها لا يتحقق في سلوكهم . فيتولون ناكصين ؛ يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان :
« وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ »
فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم . والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها ؛ ثم يدعها ويمضي . إنما هو تكيف في النفس ، وانطباع في القلب ، وعمل في الواقع ، ثم لا تملك النفس الرجوع عنه متى استقرت حقيقته في الضمير . .