ولقد كان هؤلاء الذين يدعون الإيمان يخالفون مدلوله حين يدعون ليتحاكموا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على شريعة اللّه التي جاء بها :
« وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ . وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ »
. .
فلقد كانوا يعلمون أن حكم اللّه ورسوله لا يحيد عن الحق ، ولا ينحرف مع الهوى ، ولا يتأثر بالمودة والشنآن . وهذا الفريق من الناس لا يريد الحق ولا يطيق العدل . ومن ثم كانوا يعرضون عن التحاكم إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويأبون أن يجيئوا إليه . فأما إذا كانوا أصحاب حق في قضية فهم يسارعون إلى تحكيم رسول اللّه ، راضين خاضعين ، لأنهم واثقون أنه سيقضي لهم بحقهم ، وفق شريعة اللّه ، التي لا تظلم ولا تبخس الحقوق .
هذا الفريق الذي كان يدعي الإيمان ، ثم يسلك هذا السلوك الملتوي ، إنما هو نموذج للمنافقين في كل زمان ومكان . المنافقين الذي لا يجرءون على الجهر بكلمة الكفر ، فيتظاهرون بالإسلام . ولكنهم لا يرضون أن تقضي بينهم شريعة اللّه ، ولا أن يحكم فيهم قانونه ، فإذا دعوا إلى حكم اللّه ورسوله أبوا وأعرضوا وانتحلوا المعاذير
« وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ »
فما يستقيم الإيمان وإباء حكم اللّه ورسوله . إلا أن تكون لهم مصلحة في أن يتحاكموا إلى شريعة اللّه أو يحكموا قانونه ! إن الرضى بحكم اللّه ورسوله هو دليل الإيمان الحق . وهو المظهر الذي ينبئ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب . وهو الأدب الواجب مع اللّه ومع رسول اللّه . وما يرفض حكم اللّه وحكم رسوله إلا سيّئ الأدب معتم ، لم يتأدب بأدب الإسلام ، ولم يشرق قلبه بنور الإيمان .
ومن ثم يعقب على فعلتهم هذه بأسئلة تثبت مرض قلوبهم ، وتتعجب من ريبتهم ، وتستنكر تصرفهم الغريب :
« أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ؟ أَمِ ارْتابُوا ؟ أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ؟ »
. .
والسؤال الأول للإثبات . فمرض القلب جدير بأن ينشئ مثل هذا الأثر . وما ينحرف الإنسان هذا الانحراف وهو سليم الفطرة . إنما هو المرض الذي تختل به فطرته عن استقامتها ، فلا تتذوق حقيقة الإيمان ، ولا تسير على نهجه القويم .
والسؤال الثاني للتعجب . فهل هم يشكون في حكم اللّه وهم يزعمون الإيمان ؟ هل هم يشكون في مجيئه من عند اللّه ؟ أو هم يشكون في صلاحيته لإقامة العدل ؟ على كلتا الحالتين فهذا ليس طريق المؤمنين ! والسؤال الثالث للاستنكار والتعجب من أمرهم الغريب . فهل هم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ورسوله ؟
وإنه لعجيب أن يقوم مثل هذا الخوف في نفس إنسان . فاللّه خالق الجميع ورب الجميع . فكيف يحيف في حكمه على أحد من خلقه لحساب أحد من خلقه ؟
إن حكم اللّه هو الحكم الوحيد المبرأ من مظنة الحيف . لأن اللّه هو العادل الذي لا يظلم أحدا . وكل خلقه أمامه سواء ، فلا يظلم أحدا منهم لمصلحة أحد . وكل حكم غير حكمه هو مظنة الحيف . فالبشر لا يملكون أنفسهم وهم يشرعون ويحكمون أن يميلوا إلى مصالحهم . أفرادا كانوا أم طبقة أم دولة .
وحين يشرع فرد ويحكم فلا بد أن يلحظ في التشريع حماية نفسه وحماية مصالحه . وكذلك حين تشرع طبقة لطبقة ، وحين تشرع دولة لدولة . أو كتلة من الدول لكتلة . . فأما حين يشرع اللّه فلا حماية ولا مصلحة .