ذلك الإيمان منهج حياة كامل ، يتضمن كل ما أمر اللّه به ، ويدخل فيما أمر اللّه به توفير الأسباب ، وإعداد العدة ، والأخذ بالوسائل ، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض . . أمانة الاستخلاف . .
فما حقيقة الاستخلاف في الأرض ؟
إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم . . إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء ؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه اللّه للبشرية كي تسير عليه ؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض ، اللائق بخليقة أكرمها اللّه .
إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح ، لا على الهدم والإفساد . وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة ، لا على الظلم والقهر . وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري ، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان ! وهذا الاستخلاف هو الذي وعده اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . وعدهم اللّه أن يستخلفهم في الأرض - كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم - ليحققوا النهج الذي أراده اللّه ؛ ويقرروا العدل الذي أراده اللّه ؛ ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها اللّه . . فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض ، وينشرون فيها البغي والجور ، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان . . فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض . إنما هم مبتلون بما هم فيه ، أو مبتلى بهم غيرهم ، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها اللّه آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده :
« وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ »
. . وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب ، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها . فقد وعدهم اللّه إذن أن يستخلفهم في الأرض ، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض . ودينهم يأمر بالإصلاح ، ويأمر بالعدل ، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض . ويأمر بعمارة هذه الأرض ، والانتفاع بكل ما أودعها اللّه من ثروة ، ومن رصيد ، ومن طاقة ، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى اللّه .
« وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً »
. . ولقد كانوا خائفين ، لا يأمنون ، ولا يضعون سلاحهم أبدا حتى بعد هجرة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة .
قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية : كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى اللّه وحده ، وإلى عبادته وحده بلا شريك له ، سرا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال ؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة ، فقدموها ، فأمرهم اللّه بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح ؛ فصبروا على ذلك ما شاء اللّه . ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول اللّه أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عن السلاح ؟ فقال رسول اللّه - صلى عليه وسلم - « لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة » . وأنزل اللّه هذه الآية ، فأظهر اللّه نبيه على جزيرة العرب ، فأمنوا ووضعوا السلاح . ثم إن اللّه قبض نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان . حتى وقعوا فيما وقعوا فيه ، فأدخل اللّه عليهم الخوف ؛ فاتخذوا الحجزة والشرط ، وغيروا فغير بهم . .
« وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
. . الخارجون على شرط اللّه . ووعد اللّه . وعهد اللّه . .
لقد تحقق وعد اللّه مرة . وظل متحققا وواقعا ما قام المسلمون على شرط اللّه :
« يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً »
. . لا من الآلهة ولا من الشهوات . ويؤمنون - من الإيمان - ويعملون صالحا . ووعد اللّه مذخور