تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2522

مساهمون:

ص٢٥٢٢
وأشكال شتى . ولكنهم بعد ذلك كله يلتقون في اللّه ، ويتوجهون إليه ، ويسبحون بحمده :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ »
. . والقرآن يوجه الإنسان إلى النظر فيما حوله من صنع اللّه ، وإلى من حوله من خلق اللّه في السماوات والأرض ، وهم يسبحون بحمده وتقواه ؛ ويوجه بصره وقلبه خاصة إلى مشهد في كل يوم يراه ، فلا يثير انتباهه ولا يحرك قلبه لطول ما يراه . ذلك مشهد الطير صافات أرجلها وهي طائرة في الفضاء تسبح بحمد اللّه :
« كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ »
. . والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه ؛ وهو أجدر خلق اللّه بالإيمان والتسبيح والصلاة . وإن الكون ليبدو في هذا المشهد الخاشع متجها كله إلى خالقه ، مسبحا بحمده ، قائما بصلاته ؛ وإنه لكذلك في فطرته ، وفي طاعته لمشيئة خالقه الممثلة في نواميسه . وإن الإنسان ليدرك - حين يشف - هذا المشهد ممثلا في حسه كأنه يراه ؛ وإنه ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح للّه . وإنه ليشارك كل كائن في هذا الوجود صلاته ونجواه . . كذلك كان محمد بن عبد اللّه - صلاة اللّه وسلامه عليه - إذا مشى سمع تسبيح الحصى تحت قدميه . وكذلك كان داود - عليه السلام - يرتل مزاميره فتئوب الجبال معه والطير .
« وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ »
. . فلا اتجاه إلا إليه ، ولا ملجأ من دونه ، ولا مفر من لقائه ، ولا عاصم من عقابه ، وإلى اللّه المصير . ومشهد آخر من مشاهد هذا الكون التي يمر عليها الناس غافلين ؛ وفيها متعة للنظر ، وعبرة للقلب ، ومجال للتأمل في صنع اللّه وآياته ، وفي دلائل النور والهدى والإيمان :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً ، فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ . وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ ، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ ، يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ »
. . والمشهد يعرض على مهل وفي إطالة ، وتترك أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع . كل أولئك لتؤدي الغرض من عرضها في لمس القلب وإيقاظه ، وبعثه إلى التأمل والعبرة ، وتدبر ما وراءها من صنع اللّه . إن يد اللّه تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان . ثم تؤلف بينه وتجمعه ، فإذا هو ركام بعضه فوق بعض . فإذا ثقل خرج منه الماء ، والوبل الهاطل ، وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة ، فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة . . ومشهد السحب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها ، فإذا المشهد مشهد الجبال حقا ، بضخامتها ، ومساقطها ، وارتفاعاتها وانخفاضاتها . وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس ، إلا بعد ما ركبوا الطائرات . وهذه الجبال مسخرة بأمر اللّه ، وفق ناموسه الذي يحكم الكون ؛ ووفق هذا الناموس يصيب اللّه بالمطر من يشاء ، ويصرفه عمن يشاء . . وتكملة المشهد الضخم :
« يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ »
ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض ، على طريقة التناسق في التصوير . ثم مشهد كوني ثالث : مشهد الليل والنهار :
« يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ »
. .