طويلا قبل الاندفاع . فهذا حكم ينزل بعقوبة القذف ، فيشق على هذه النفوس . يشق عليها حتى ليسأل سعد ابن عبادة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أهكذا أنزلت يا رسول اللّه ؟ يسأل هذا السؤال وهو مستيقن أنها هكذا أنزلت . ولكنه يعبر بهذا السؤال عن المشقة التي يجدها في نفسه من الخضوع لهذا الحكم في حالة معينة في فراشه . وهو يعبر عن مرارة هذا التصور بقوله : واللّه يا رسول اللّه إني لأعلم أنها لحق ، وأنها من اللّه ؛ ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فو اللّه إني لا آتي بهم حتى يكون قد قضى حاجته ! وما يلبث هذا التصور المرير الذي لا يطيقه سعد بن عبادة في خياله . . ما يلبث أن يتحقق . . فهذا رجل يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ، ولكنه يجد نفسه محجوزا بحاجز القرآن ؛ فيغلب مشاعره ، ويغلب وراثاته ، ويغلب منطق البيئة العربية العنيف العميق ؛ ويكبح غليان دمه ، وفوران شعوره ، واندفاع أعصابه . . ويربط على هذا كله في انتظار حكم اللّه وحكم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو جهد شاق مرهق ؛ ولكن التربية الإسلامية أعدت النفوس لاحتماله كيلا يكون حكم إلا للّه ، في ذات الأنفس وفي شؤون الحياة .
كيف أمكن أن يحدث هذا ؟ لقد حدث لأنهم كانوا يحسون أن اللّه معهم ، وأنهم في كنف اللّه ، وأن اللّه يرعاهم ، ولا يكلفهم عنتا ولا رهقا ، ولا يتركهم عندما يتجاوز الأمر طاقتهم ، ولا يظلمهم أبدا . كانوا يعيشون دائما في ظل اللّه ، يتنفسون من روح اللّه ، ويتطلعون إليه دائما كما يتطلع الأطفال إلى العائل الكافل الرحيم . . فها هو ذا هلال بن أمية يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ، وهو وحده ؛ فيشكو إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فلا يجد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مناصا من تنفيذ حد اللّه ، وهو يقول له : « البينة .
أو حد في ظهرك » ولكن هلال بن أمية لا يتصور أن اللّه تاركه للحد ، وهو صادق في دعواه . فإذا اللّه ينزل ذلك الاستثناء في حالة الأزواج ؛ فيبشر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هلالا به ؛ فإذا هو يقول قولة الواثق المطمئن : قد كنت أرجو ذلك من ربي عزّ وجل . . فهو الاطمئنان إلى رحمة اللّه ورعايته وعدله .
والاطمئنان أكثر إلى أنه معهم ، وأنهم ليسوا متروكين لأنفسهم ؛ إنما هم في حضرته ، وفي كفالته . . وهذا هو الإيمان الذي راضهم على الطاعة والتسليم والرضى بحكم اللّه .
وبعد الانتهاء من بيان حكم القذف يورد نموذجا من القذف ، يكشف عن شناعة الجرم وبشاعته ؛ وهو يتناول بيت النبوة الطاهر الكريم ، وعرض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أكرم إنسان على اللّه ، وعرض صديقه الصديق أبي بكر - رضي اللّه عنه - أكرم إنسان على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وعرض رجل من الصحابة - صفوان بن المعطل رضي اللّه عنه - يشهد رسول اللّه أنه لم يعرف عليه إلا خيرا . . وهو يشغل المسلمين في المدينة شهرا من الزمان . .
ذلك هو حديث الإفك الذي تطاول إلى ذلك المرتقى السامي الرفيع :
« إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ . لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ . لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ، وَقالُوا : هذا إِفْكٌ مُبِينٌ . لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ! فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ؛ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ : ما يَكُونُ