ومن هنا كان يجيء إلى المعسكر الإسلامي أسيرات . تقضي قاعدة التعامل بالمثل باسترقاقهن ومن مقضيات هذا الاسترقاق ألا يرتفعن إلى مستوى الزوجات بالنكاح . فأباح الإسلام حينئذ الاستمتاع بهن بالستري لمن يملكهن خاصة إلا أن يتحرّرن لسبب من الأسباب الكثيرة التي جعلها الإسلام سبلا لتحرير الرقيق .
ولعل هذا الاستمتاع ملحوظ فيه تلبية الحاجة الفطرية للأسيرات أنفسهن ، كيلا يشبعنها عن طريق الفوضى القذرة في المخالطة الجنسية كما يقع في زماننا هذا مع أسيرات الحرب بعد معاهدات تحريم الرقيق - هذه الفوضى التي لا يحبها الإسلام ! وذلك حتى يأذن اللّه فيرتفعن إلى مرتبة الحرية . والأمة تصل إلى مرتبة الحرية بوسائل كثيرة . . إذا ولدت لسيدها ثم مات عنها . وإذا أعتقها هو تطوعا أو في كفارة . وإذا طلبت أن تكاتبه على مبلغ من المال فافتدت به رقبتها . وإذا ضربها على وجهها فكفارتها عتقها . . إلخ « 1 » .
وعلى أية حال فقد كان الاسترقاق في الحرب ضرورة وقتية ، هي ضرورة المعاملة بالمثل في عالم كله يسترق الأسرى ، ولم يكن جزءا من النظام الاجتماعي في الإسلام .
« فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ »
. . وراء الزوجات وملك اليمين ، ولا زيادة بطريقة من الطرق .
فمن ابتغى وراء ذلك فقد عدا الدائرة المباحة ، ووقع في الحرمات ، واعتدى على الأعراض التي لم يستحلها بنكاح ولا بجهاد . وهنا تفسد النفس لشعورها بأنها ترعى في كلإ غير مباح ، ويفسد البيت لأنه لا ضمان له ولا اطمئنان ؛ وتفسد الجماعة لأن ذئابها تنطلق فتنهش من هنا ومن هناك : وهذا كله هو الذي يتوقاه الإسلام .
« وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ »
راعون لأماناتهم وعهدهم أفرادا ؛ وراعون لأماناتهم وعهدهم جماعة . .
والأمانات كثيرة في عنق الفرد وفي عنق الجماعة ؛ وفي أولها أمانة الفطرة ؛ وقد فطرها اللّه مستقيمة متناسقة مع ناموس الوجود الذي هي منه وإليه شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته ، بحكم إحساسها الداخلي بوحدة الناموس الذي يحكمها ويحكم الوجود ، ووحدة الإرادة المختارة لهذا الناموس المدبرة لهذا الوجود . .
والمؤمنون يرعون تلك الأمانة الكبرى فلا يدعون فطرتهم تنحرف عن استقامتها ، فتظل قائمة بأمانتها شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته . ثم تأتي سائر الأمانات تبعا لتلك الأمانة الكبرى .
والعهد الأول هو عهد الفطرة كذلك . هو العهد الذي قطعه اللّه على فطرة البشر بالإيمان بوجوده وبتوحيده .
وعلى هذا العهد الأول تقوم جميع العهود والمواثيق . فكل عهد يقطعه المؤمن يجعل اللّه شهيدا عليه فيه ، ويرجع في الوفاء به إلى تقوى اللّه وخشيته .
والجماعة المسلمة مسؤولة عن أماناتها العامة ، مسؤولة عن عهدها مع اللّه تعالى ، وما يترتب على هذا العهد من تبعات . والنص يجمل التعبير ويدعه يشمل كل أمانة وكل عهد . ويصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون . فهي صفة دائمة لهم في كل حين . وما تستقيم حياة الجماعة إلا أن تؤدى فيها الأمانات ؛ وترعى فيها العهود ؛ ويطمئن كل من فيها إلى هذه القاعدة الأساسية للحياة المشتركة ، الضرورية لتوفير الثقة والأمن والاطمئنان .
« وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ »
. . فلا يفوّتونها كسلا ، ولا يضيعونها إهمالا ؛ ولا يقصرون في
هامش
( 1 ) يراجع فصل الرق في كتاب « شبهات حول الإسلام » لمحمد قطب . « دار الشروق » .