الحق الذي جاءهم به ؟ وهم يسلمون بملكية اللّه لمن في السماوات والأرض ، وربوبيته للسماوات والأرض ، وسيطرته على كل شيء في السماوات والأرض . وبعد هذا التسليم هم ينكرون البعث ، ويزعمون للّه ولدا سبحانه ! ويشركون به آلهة أخرى
« فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
.
والشوط الأخير يدعهم وشركهم وزعمهم ؛ ويتوجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن « 1 » ، وأن يستعيذ باللّه من الشياطين ، فلا يغضب ولا يضيق صدره بما يقولون . .
وإلى جوار هذا مشهد من مشاهد القيامة يصور ما ينتظرهم هناك من عذاب ومهانة وتأنيب . . وتختم السورة بتنزيه اللّه سبحانه :
« فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ »
. وبنفي الفلاح عن الكافرين في مقابل تقرير الفلاح في أول السورة للمؤمنين :
« وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ »
. وبالتوجه إلى اللّه طلبا للرحمة والغفران :
« وَقُلْ : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ »
.
جو السورة كلها هو جو البيان والتقرير ، وجو الجدل الهادئ ، والمنطق الوجداني ، واللمسات الموحية للفكر والضمير . والظل الذي يغلب عليها هو الظل الذي يلقيه موضوعها . . الإيمان . . ففي مطلعها مشهد الخشوع في الصلاة :
« الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ »
. وفي صفات المؤمنين في وسطها :
« وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ »
. . وفي اللمسات الوجدانية :
« وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ »
.
وكلها مظلّلة بذلك الظل الإيماني اللطيف .
« قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ . إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ . . أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
.
إنه الوعد الصادق ، بل القرار الأكيد بفلاح المؤمنين . وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده ؛ وقرار اللّه لا يملك أحد رده . الفلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة . فلاح الفرد المؤمن وفلاح الجماعة المؤمنة . الفلاح الذي يحسه المؤمن بقلبه ويجد مصداقه في واقع حياته ؛ والذي يشمل ما يعرفه الناس من معاني الفلاح ، وما لا يعرفونه مما يدخره اللّه لعباده المؤمنين .
فمن هم المؤمنون الذين كتب اللّه لهم هذه الوثيقة ، ووعدهم هذا الوعد ، وأعلن عن فلاحهم هذا الإعلان ؟
من هم المؤمنون المكتوب لهم الخير والنصر والسعادة والتوفيق والمتاع الطيب في الأرض ؟ والمكتوب لهم الفوز والنجاة ، والثواب والرضوان في الآخرة ؟ ثم ما شاء اللّه غير هذا وذلك في الدارين مما لا يعلمه إلا اللّه ؟
هامش
( 1 ) السورة مكية . ولم يكن المسلمون حينئذ مأمورين بدفع العدوان بالعدوان .