تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2457

مساهمون:

ص٢٤٥٧
إقامتها كما ينبغي أن تقام ؛ إنما يؤدونها في أوقاتها كاملة الفرائض والسنن ، مستوفية الأركان والآداب ، حية يستغرق فيها القلب ، وينفعل بها الوجدان . والصلاة صلة ما بين القلب والرب ، فالذي لا يحافظ عليها لا ينتظر أن يحافظ على صلة ما بينه وبين الناس محافظة حقيقية مبعثها صدق الضمير . . ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان ، بوصفها أكمل صورة من صور العبادة والتوجه إلى اللّه . تلك الخصائص تحدد شخصية المؤمنين المكتوب لهم الفلاح . وهي خصائص ذات أثر حاسم في تحديد خصائص الجماعة المؤمنة ونوع الحياة التي تحياها . الحياة الفاضلة اللائقة بالإنسان الذي كرمه اللّه ؛ وأراد له التدرج في مدارج الكمال . ولم يرد له أن يحيا حياة الحيوان ، يستمتع فيها ويأكل كما تأكل الأنعام . ولما كانت الحياة في هذه الأرض لا تحقق الكمال المقدر لبني الإنسان ، فقد شاء اللّه أن يصل المؤمنون الذين ساروا في الطريق ، إلى الغاية المقدرة لهم ، هنالك في الفردوس ، دار الخلود بلا فناء ، والأمن بلا خوف ، والاستقرار بلا زوال :
« أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
. . وتلك غاية الفلاح الذي كتبه اللّه للمؤمنين . وليس بعدها من غاية تمتد إليها عين أو خيال . . ومن صفات المؤمنين ينتقل إلى دلائل الإيمان في حياة الإنسان ذاته ، وفي أطوار وجوده ونموه ، مبتدئا بأصل النشأة الإنسانية ، منتهيا إلى البعث في الآخرة مع الربط بين الحياتين في السياق :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً . ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ . فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ »
. . وفي أطوار هذه النشأة ، وتتابعها بهذا النظام ، وبهذا الاطراد ، ما يشهد بوجود المنشئ أولا ، وما يشهد بالقصد والتدبير في تلك النشأة وفي اتجاهها أخيرا . فما يمكن أن يكون الأمر مصادفة عابرة ، ولا خبط عشواء بدون قصد ولا تدبير ؛ ثم تسير هذه السيرة التي لا تنحرف ، ولا تخطئ ، ولا تتخلف ؛ ولا تسير في طريق آخر من شتى الطرق التي يمكن عقلا وتصورا أن تسير فيها . إنما تسير النشأة الإنسانية في هذا الطريق دون سواه من شتى الطرق الممكنة بناء على قصد وتدبير من الإرادة الخالقة المدبرة في هذا الوجود . كما أن في عرض تلك الأطوار بهذا التتابع الدقيق المطرد ، ما يشير إلى أن الإيمان بالخالق المدبر ، والسير على نهج المؤمنين الذي بينه في المقطع السابق . . هو وحده الطريق إلى بلوغ الكمال المقدر لتلك النشأة ؛ في الحياتين : الدنيا والآخرة . وهذا هو المحور الذي يجمع بين المقطعين في سياق السورة .
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ »
. . وهذا النص يشير إلى أطوار النشأة الإنسانية ولا يحددها . فيفيد أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة ، من الطين إلى الإنسان . فالطين هو المصدر الأول ، أو الطور الأول . والإنسان هو الطور الأخير . . وهي حقيقة نعرفها من القرآن ، ولا نطلب لها مصداقا من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الإنسان ، أو نشأة الأحياء . إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذها مجالا للتدبر في صنع اللّه ، ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الإنسان