من هم المؤمنون . الوارثون . الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ؟
إنهم هؤلاء الذين يفصل السياق صفاتهم بعد آية الافتتاح :
« الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
.
« وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
.
« وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
.
« وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
. . . إلخ .
« وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
.
« وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ »
.
فما قيمة هذه الصفات ؟
قيمتها أنها ترسم شخصية المسلم في أفقها الأعلى . أفق محمد - صلى اللّه عليه وسلم - رسول اللّه ، وخير خلق اللّه ، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، والذي شهد له في كتابه بعظمة خلقه :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »
. .
فلقد سئلت عائشة رضي اللّه عنها عن خلق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقالت : كان خلقه القرآن .
ثم قرأت .
« قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ »
حتى
« وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ »
. وقالت . هكذا كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « 1 » .
ومرة أخرى . . ما قيمة هذه الصفات في ذاتها ؟ ما قيمتها في حياة الفرد ، وفي حياة الجماعة ، وفي حياة النوع الإنساني ؟
« الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ »
. . تستشعر قلوبهم رهبة الموقف في الصلاة بين يدي اللّه ، فتسكن وتخشع ، فيسري الخشوع منها إلى الجوارح والملامح والحركات . ويغشى أرواحهم جلال اللّه في حضرته ، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل ، ولا تشتغل بسواه وهم مستغرقون في الشعور به مشغولون بنجواه . ويتوارى عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم وكل ما بهم ، فلا يشهدون إلا اللّه ، ولا يحسون إلا إياه ، ولا يتذوقون إلا معناه . ويتطهر وجدانهم من كل دنس ، وينفضون عنهم كل شائبة ؛ فما يضمون جوانحهم على شيء من هذا مع جلال اللّه . . عندئذ تتصل الذرة التائهة بمصدرها ، وتجد الروح الحائرة طريقها ، ويعرف القلب الموحش مثواه . وعندئذ تتضاءل القيم والأشياء والأشخاص إلا ما يتصل منها باللّه .
« وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ »
. . لغو القول ، ولغو الفعل ، ولغو الاهتمام والشعور . إن للقلب المؤمن ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر . . له ما يشغله من ذكر اللّه ، وتصور جلاله وتدبر آياته في الأنفس والآفاق .
وكل مشهد من مشاهد الكون يستغرق اللب ، ويشغل الفكر ، ويحرك الوجدان . . وله ما يشغله من تكاليف العقيدة : تكاليفها في تطهير القلب ، وتزكية النفس وتنقية الضمير . وتكاليفها في السلوك ، ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يتطلبه الإيمان . وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وصيانة حياة الجماعة من الفساد والانحراف . وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها وعزتها ، والسهر عليها من كيد الأعداء . .
وهي تكاليف لا تنتهي ، ولا يغفل عنها المؤمن ، ولا يعفى نفسه منها ، وهي مفروضة عليه فرض عين أو
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي .