تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2458

مساهمون:

ص٢٤٥٨
المتسلسل في نشأته من ذلك الطين . ولا يتعرض لتفصيل هذا التسلسل لأنه لا يعنيه في أهدافه الكبيرة . أما النظريات العلمية فتحاول إثبات سلم معين للنشوء والارتقاء ، لوصل حلقات السلسلة بين الطين والإنسان . وهي تخطئ وتصيب في هذه المحاولة - التي سكت القرآن عن تفصيلها - وليس لنا أن نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يقررها القرآن . . حقيقة التسلسل . . وبين المحاولات العلمية في البحث عن حلقات هذا التسلسل وهي المحاولات التي تخطئ وتصيب ، وتثبت اليوم وتنقض غدا ، كلما تقدمت وسائل البحث وطرائقه في يد الإنسان . والقرآن يعبر أحيانا عن تلك الحقيقة باختصار فيقول :
« . . . بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ »
. . دون إشارة إلى الأطوار التي مر بها . والمرجع في هذا الأمر إلى النص الأكثر تفصيلا ، وهو الذي يشير إلى أنه
« مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ »
فالنص الآخر يختصر هذه الأطوار لمناسبة خاصة في السياق هناك . أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الأهداف القرآنية . وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون ؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد ، وبسبب عوامل وعلل أخرى لم يكشف عنها الإنسان . . ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات أن القرآن يكرم هذا الإنسان ؛ ويقرر أن فيه نفخة من روح اللّه هي التي جعلت من سلالة الطين إنسانا ، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنسانا وافترق بها عن الحيوان . وهنا تفترق نظرة الإسلام افتراقا كليا عن نظرة الماديين . واللّه أصدق القائلين « 1 » . ذلك أصل نشأة الجنس الإنساني . . من سلالة من طين . . فأما نشأة الفرد الإنساني بعد ذلك ، فتمضي في طريق آخر معروف :
« ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ »
. . لقد نشأ الجنس الإنساني من سلالة من طين . فأما تكرار أفراده بعد ذلك وتكاثرهم فقد جرت سنة اللّه أن يكون عن طريق نقطة مائية تخرج من صلب رجل ، فتستقر في رحم امرأة . نقطة مائية واحدة . لا بل خلية واحدة من عشرات الألوف من الخلايا الكامنة في تلك النقطة . تستقر :
« فِي قَرارٍ مَكِينٍ »
. . ثابتة في الرحم الغائرة بين عظام الحوض ، المحمية بها من التأثر باهتزازات الجسم ، ومن كثير مما يصيب الظهر والبطن من لكمات وكدمات ، ورجات وتأثرات ! والتعبير القرآني يجعل النطفة طورا من أطوار النشأة الإنسانية ، تاليا في وجوده لوجود الإنسان . . وهي حقيقة . ولكنها حقيقة عجيبة تدعو إلى التأمل ، فهذا الإنسان الضخم يختصر ويلخص بكل عناصره وبكل خصائصه في تلك النطفة ، كما يعاد من جديد في الجنين وكي يتجدد وجوده عن طريق ذلك التلخيص العجيب . ومن النطفة إلى العلقة . حينما تمتزج خلية الذكر ببويضة الأنثى ، وتعلق هذه بجدار الرحم نقطة صغيرة في أول الأمر ، تتغذى بدم الأم . . ومن العلقة إلى المضغة ، حينما تكبر تلك النقطة العالقة ، وتتحول إلى قطعة من دم غليظ مختلط . . وتمضي هذه الخليقة في ذلك الخط الثابت الذي لا ينحرف ولا يتحول ، ولا تتوانى حركته المنظمة الرتيبة .
هامش
( 1 ) يراجع كتاب : « الإنسان بين المادية والإسلام » لمحمد قطب . « دار الشروق »