تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2452

مساهمون:

ص٢٤٥٢
هذه سورة « المؤمنون » . . اسمها يدل عليها . ويحدد موضوعها . . فهي تبدأ بصفة المؤمنين ، ثم يستطرد السياق فيها إلى دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق . ثم إلى حقيقة الإيمان كما عرضها رسل اللّه - صلوات اللّه عليهم - من لدن نوح - عليه السلام - إلى محمد خاتم الرسل والنبيين ؛ وشبهات المكذبين حول هذه الحقيقة واعتراضاتهم عليها ، ووقوفهم في وجهها ، حتى يستنصر الرسل بربهم ، فيهلك المكذبين ، وينجي المؤمنين . . ثم يستطرد إلى اختلاف الناس - بعد الرسل - في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد . . ومن هنا يتحدث عن موقف المشركين من الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويستنكر هذا الموقف الذي ليس له مبرر . . وتنتهي السورة بمشهد من مشاهد القيامة يلقون فيه عاقبة التكذيب ، ويؤنبون على ذلك الموقف المريب ، يختم بتعقيب يقرر التوحيد المطلق والتوجه إلى اللّه بطلب الرحمة والغفران . . فهي سورة « المؤمنون » أو هي سورة الإيمان ، بكل قضاياه ودلائله وصفاته . وهو موضوع السورة ومحورها الأصيل . ويمضي سياق السورة في أربعة أشواط : يبدأ الشوط الأول بتقرير الفلاح للمؤمنين :
« قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ »
. . ويبين صفات المؤمنين هؤلاء الذين كتب لهم الفلاح . . ويثني بدلائل الإيمان في الأنفس والآفاق ، فيعرض أطوار الحياة الإنسانية منذ نشأتها الأولى إلى نهايتها في الحياة الدنيا متوسعا في عرض أطوار الجنين ، مجملا في عرض المراحل الأخرى . . ثم يتابع خط الحياة البشرية إلى البعث يوم القيامة . . وبعد ذلك ينتقل من الحياة الإنسانية إلى الدلائل الكونية : في خلق السماء ، وفي إنزال الماء ، وفي إنبات الزرع والثمار . ثم إلى الأنعام المسخرة للإنسان ؛ والفلك التي يحمل عليها وعلى الحيوان . فأما الشوط الثاني فينتقل من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق إلى حقيقة الإيمان . حقيقته الواحدة التي توافق عليها الرسل دون استثناء :
« يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
. . قالها نوح - عليه السلام - وقالها كل من جاء بعده من الرسل ، حتى انتهت إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وكان اعتراض المكذبين دائما :
« ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ! »
. .
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً »
. . وكان اعتراضهم كذلك :
« أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ؟ »
. . وكانت العاقبة دائما أن يلجأ الرسل إلى ربهم يطلبون نصره ، وأن يستجيب اللّه لرسله ، فيهلك المكذبين . . وينتهي الشوط بنداء للرسل جميعا :
« يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ »
. والشوط الثالث يتحدث عن تفرق الناس - بعد الرسل - وتنازعهم حول تلك الحقيقة الواحدة . التي جاءوا بها :
« فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ »
. وعن غفلتهم عن ابتلاء اللّه لهم بالنعمة ، واغترارهم بما هم فيه من متاع . بينما المؤمنون مشفقون من خشية ربهم ، يعبدونه ولا يشركون به ، وهم مع ذلك دائمو الخوف والحذر
« وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ »
. . وهنا يرسم مشهدا لأولئك الغافلين المغرورين يوم يأخذهم العذاب فإذا هم يجأرون ؛ فيأخذهم التوبيخ والتأنيب :
« قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ، مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ »
. . ويستنكر السياق موقفهم العجيب من رسولهم الأمين ، وهم يعرفونه ولا ينكرونه ؛ وقد جاءهم بالحق لا يسألهم عليه أجرا . فما ذا ينكرون منه ومن
في ظلال القرآن — صفحة 2452 | سيد قطب