تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1813

مساهمون:

ص١٨١٣
حد الاعتدال والاستقامة على طريق الهدى ، ذلك أنهم يعطلون مداركهم التي أعطاها اللّه لهم ليتدبروا بها ويتبينوا . وبمثل هذا التعطيل ، تغلق قلوبهم وتوصد منافذها :
« كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ »
. . حسب سنة اللّه القديمة في أن القلب الذي يغلقه صاحبه ينطبع على هذا ويجمد ويتحجر ، فلا يعود صالحا للتلقي والاستقبال . . لا أن اللّه يغلق هذه القلوب ليمنعها ابتداء من الاهتداء . فإنما هي السنة تتحقق مقتضياتها في جميع الأحوال . فأما قصة موسى فيبدؤها السياق هنا من مرحلة التكذيب والتحدي ، وينهيها عند غرق فرعون وجنوده ، على نطاق أوسع مما في قصة نوح ، ملما بالمواقف ذات الشبه بموقف المشركين في مكة من الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وموقف القلة المؤمنة التي معه . وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى ، مقسمة إلى خمسة مواقف ، يليها تعقيب يتضمن العبرة من عرضها في هذه السورة على النحو الذي عرضت به . . وهذه المواقف الخمسة تتتابع في السياق على هذا النحو :
« ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا ، فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ . فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا : إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ . قالَ مُوسى : أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ ، أَ سِحْرٌ هذا ؟ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ . قالُوا : أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ ؟ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ »
. . والآيات التي بعث بها موسى إلى فرعون وملئه هي الآيات التسع المذكورة في سورة الأعراف . ولكنها لا تذكر هنا ولا تفصل لأن السياق لا يقتضيها ، والإجمال في هذا الموضع يغني . والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات اللّه :
« فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ »
.
« فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا »
. . بهذا التحديد . .
« مِنْ عِنْدِنا »
. . ليصور شناعة الجريمة فيما قالوه عن هذا الحق الصادر من عند اللّه :
« قالُوا : إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ »
. . بهذا التوكيد المتبجح الذي لا يستند مع هذا إلى دليل . .
« إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ »
. . كأنها جملة واحدة يتعارف عليها المكذبون في جميع العصور ! فهكذا قال مشركو قريش ، كما حكي عنهم في مطلع السورة ، على تباعد الزمان والمكان ، وعلى بعد ما بين معجزات موسى ومعجزة القرآن !
« قالَ مُوسى : أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ . أَ سِحْرٌ هذا ؟ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ »
. . وقد حذف من استنكار موسى الأول ما دل عليه الثاني . فكأنه قال لهم : أتقولون للحق لما جاءكم : هذا سحر ؟ أسحر هذا ؟ وفي السؤال الأول استنكار لوصف الحق بالسحر ، وفي السؤال الثاني تعجيب من أن يقول أحد عن هذا إنه سحر . فالسحر لا يستهدف هداية الناس ، ولا يتضمن عقيدة ، وليس له فكرة معينة عن الألوهية وعلاقة الخلق بالخالق ؛ ولا يتضمن منهاجا تنظيميا للحياة . فما يختلط السحر بهذا ولا يلتبس . وما كان الساحرون ليؤدوا عملا يستهدف مثل هذه الأغراض ، ويحقق مثل هذا الاتجاه ؛ وما كانوا ليفلحوا وكل عملهم تخييل وتزييف .