تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1810

مساهمون:

ص١٨١٠
كما سبقت الإشارة بأن لكل أمة رسولا فإذا جاءهم رسولهم قضي بينهم بالقسط :
« وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. فالآن يأخذ السياق في جولة تفصيلية لهاتين الإشارتين ، فيسوق طرفا من قصة نوح مع قومه ، وطرفا من قصة موسى مع فرعون وملئه ، تتحقق فيهما عاقبة التكذيب ، والقضاء في أمر الأمة بعد مجيء رسولها ، وإبلاغها رسالته ، وتحذيرها عاقبة المخالفة . كذلك تجيء إشارة عابرة لقصة يونس الذي آمنت قريته بعد أن كاد يحل بها العذاب ، فرفع عنها ونجت منه بالإيمان . . وهي لمسة من ناحية أخرى تزين الإيمان للمكذبين ، لعلهم يتقون العذاب الذي ينذرون . ولا تكون عاقبتهم كعاقبة قوم نوح وقوم موسى المهلكين . وقد انتهى الدرس الماضي بتكليف الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعلن عاقبة الذين يفترون على اللّه الكذب وينسبون إليه شركاء :
« قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ، مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ »
. وذلك بعد تطمين الرسول :
« وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ . إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً »
وبأن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . واستمر السياق بتكليف جديد : أن يقص عليهم - صلى اللّه عليه وسلم - نبأ نوح فيما يختص بتحديه لقومه ثم ما كان من نجاته ومن آمنوا معه واستخلافهم في الأرض ، وهلاك المكذبين وهم أقوى وأكثر عددا . والمناسبة ظاهرة لإيراد هذا القصص بالنسبة لسياق السورة ، وبالنسبة لهذه المعاني القريبة قبلها . والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه ؛ ويتكرر في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق ، والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع ، وقد يعرض غيرها من القصة الواحدة في موضع آخر ، لأن هذا الموضع تناسبه حلقة أخرى من القصة . وسنرى فيما يعرض من قصّي نوح وموسى ويونس هنا وفي طريقة العرض مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي - صلى اللّه عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه ، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان . كما سنجد المناسبة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه « 1 » .
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ : يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ ، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ »
. . إن الحلقة التي تعرض هنا من قصة نوح ، هي الحلقة الأخيرة : حلقة التحدي الأخير ، بعد الإنذار الطويل والتذكير الطويل والتكذيب الطويل . ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان ، ولا التفصيلات في تلك الحلقة ، لأن الهدف هو إبراز التحدي والاستعانة باللّه وحده ، ونجاة الرسول ومن معه وهم قلة ، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة . لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة إلى حلقة واحدة . ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة ، لأن هذا هو مقتضى السياق في هذا الموضع .
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « القصة في القرآن » في كتاب « التصوير الفني في القرآن » لدراسة هذه القاعدة بالتفصيل . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1810 | سيد قطب