« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ : يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ . ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً . ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ »
. .
إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق ، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم ؛ وتذكيري لكم بآيات اللّه . فأنتم وما تريدون . وأنا ماض في طريقي لا أعتمد إلا على اللّه :
« فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ »
. .
عليه وحده فهو حسبي دون النصراء والأولياء .
« فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ »
. .
وتدبروا مصادر أمركم وموارده ، وخذوا أهبتكم متضامنين :
« ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً »
. .
بل ليكن الموقف واضحا في نفوسكم ، وما تعتزمونه مقررا لا لبس فيه ولا غموض ، ولا تردد فيه ولا رجعة .
« ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ »
. .
فنفذوا ما اعتزمتم بشأني وما دبرتم ، بعد الروية ووزن الأمور كلها والتصميم الذي لا تردد فيه . .
« وَلا تُنْظِرُونِ »
. .
ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد ، فكل استعدادي ، هو اعتمادي على اللّه وحده دون سواه .
إنه التحدي الصريح المثير ، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته ، واثق كل الوثوق من عدته ، حتى ليغري خصومه بنفسه ، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه ! فما ذا كان وراء نوح من القوة والعدة ؟ وما ذا كان معه من قوى الأرض جميعا ؟
كان معه الإيمان . . القوة التي تتصاغر أمامها القوى ، وتتضاءل أمامها الكثرة ، ويعجز أمامها التدبير .
وكان وراءه اللّه الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان ! إنه الإيمان باللّه وحده ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه . فليس هذا التحدي غرورا ، وليس كذلك تهورا ، وليس انتحارا . إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان .
وأصحاب الدعوة إلى اللّه لهم أسوة حسنة في رسل اللّه . . وإنه لينبغي لهم أن تمتلئ قلوبهم بالثقة حتى تفيض .
وإن لهم أن يتوكلوا على اللّه وحده في وجه الطاغوت أيا كان ! ولن يضرهم الطاغوت إلّا أذى - ابتلاء من اللّه لا عجزا منه سبحانه عن نصرة أوليائه ، ولا تركا لهم ليسلمهم إلى أعدائه . ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف . ثم تعود الكرة للمؤمنين . ويحق وعد اللّه لهم بالنصر والتمكين .
واللّه سبحانه يقص قصة عبده نوح وهو يتحدى قوى الطاغوت في زمانه هذا التحدي الواضح الصريح .
فلنمض مع القصة لنرى نهايتها عن قريب ،
« فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ . وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ »
. .