فإن أعرضتم عني وابتعدتم ، فأنتم وشأنكم ، فما كنت أسألكم أجرا على الهداية ، فينقص أجري بتوليكم :
« إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ »
. .
ولن يزحزحني هذا عن عقيدتي ، فقد أمرت أن أسلم نفسي كلها للّه :
« وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ »
. .
وأنا عندما أمرت به . . من المسلمين . .
فما ذا كان ؟
« فَكَذَّبُوهُ . فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ . وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا »
. .
هكذا باختصار . نجاته هو ومن معه في الفلك - وهم المؤمنون . واستخلافهم في الأرض على قلتهم . وإغراق المكذبين على قوتهم وكثرتهم :
« فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ »
. .
لينظر من ينظر
« عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ »
المكذبين وليتعظ من يتعظ بعاقبة المؤمنين الناجين .
ويعجل السياق بإعلان نجاة نوح ومن معه ، لأن نوحا والقلة المؤمنة كانوا يواجهون خطر التحدي للكثرة الكافرة . فلم تكن النتيجة مجرد هلاك هذه الكثرة ، بل كان قبلها نجاة القلة من جميع الأخطار ؛ واستخلافها في الأرض ، تعيد تعميرها وتجديد الحياة فيها ، وتأدية الدور الرئيسي فترة من الزمان .
هذه سنة اللّه في الأرض . وهذا وعده لأوليائه فيها . . فإذا طال الطريق على العصبة المؤمنة مرة ، فيجب أن تعلم أن هذا هو الطريق ، وأن تستيقن أن العاقبة والاستخلاف للمؤمنين ، وألا تستعجل وعد اللّه حتى يجيء وهي ماضية في الطريق . . واللّه لا يخدع أولياءه - سبحانه - ولا يعجز عن نصرهم بقوته ، ولا يسلمهم كذلك لأعدائه . . ولكنه يعلمهم ويدربهم ويزودهم - في الابتلاء - بزاد الطريق « 1 » . .
وفي اختصار وإجمال يشير السياق إلى الرسل بعد نوح ، وما جاءوا به من البينات والخوارق وكيف تلقاها المكذبون الضالون :
« ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ، كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ »
. .
فهؤلاء الرسل جاءوا قومهم بالبينات . والنص يقول : إنهم ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل . .
وهذا يحتمل أنهم بعد مجيء الآيات ظلوا يكذبون كما كانوا قبلها يكذبون . فلم تحولهم الآيات عن عنادهم .
كما يحتمل أن المكذبين جماعة واحدة على اختلاف أجيالهم ، لأنهم ذوو طبيعة واحدة . فهؤلاء ما كان يمكن أن يؤمنوا بما كذب به أسلاف لهم ، أو بما كذبوا هم به في أشخاص هؤلاء الأسلاف ! فهم منهم ، طبيعتهم واحدة ، وموقفهم تجاه البينات واحد . لا يفتحون لها قلوبهم ، ولا يتدبرونها بعقولهم . وهم معتدون متجاوزون
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « هذا هو الطريق » في كتاب : « معالم في الطريق » . « دار الشروق » .