تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1731

مساهمون:

ص١٧٣١
وهذا الرضى يومئذ يعز ويذل ويرفع ويخفض ويترك المسلم مرموقا بالأنظار أو مهملا لا ينظر إليه إنسان - مع هذا فإن مراقبة اللّه أقوى وتقوى اللّه أعمق ؛ والرجاء في اللّه أوثق . « ونهى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الناس عن كلامنا . أيها الثلاثة . من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس - أو قال : تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما ؛ وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم . فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف بالأسواق ، فلا يكلمني أحد . وآتي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأسلم عليه في مجلسه بعد الصلاة ، وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي ، فإذا التفت نحوه أعرض عني . حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه فو اللّه ما رد علي السلام . فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك اللّه تعالى . هل تعلم أني أحب اللّه ورسوله ؟ قال : فسكت . قال : فعدت فنشدته فسكت ، فعدت فنشدته . قال : اللّه ورسوله أعلم . ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار » . . هكذا كان الضبط ، وهكذا كانت الطاعة في الجماعة المسلمة - على الرغم من كل ما وقع من خلخلة بعد الفتح ومن بلبلة في ساعة العسرة - . . نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة . فلا مخلوق يفتح فمه بكلمة ، ولا مخلوق يلقى كعبا بأنس ، ولا مخلوق يأخذ منه أو يعطي . حتى ابن عمه وأحب الناس إليه ، وقد تسور عليه داره ، لا يرد عليه السلام ، ولا يجيبه عن سؤال . فإذا أجاب بعد الإلحاح لم يطمئن لهفته ولم يسكن قلقه ، إنما قال : « اللّه ورسوله أعلم » . وكعب في لهفته - وقد تنكرت له الأرض فلم تعد الأرض التي كان يعرف - يتلمس حركة من بين شفتي الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويخالسه النظر لعله يعلم أن رسول اللّه قد ألقى إليه بنظرة يحيا على الأمل فيها ، ويطمئن إلى أنه لم يقطع من تلك الشجرة ، ولم يكتب له الذبول والجفاف ! وبينما هو طريد شريد ، لا يلقي إليه مخلوق من قومه بكلمة - ولو على سبيل الصدقة - يجيئه من قبل ملك غسان كتاب يمنيه بالعزة والكرامة والمجد والجاه . . ولكنه بحركة واحدة يعرض عن هذا كله ، وما يزيد على أن يلقي بالكتاب إلى النار ، ويعد هذا بقية من البلاء ، ويصبر على الابتلاء . وتمتد المقاطعة فتعزل عنه زوجه . لتدعه فريدا طريدا من الأنس كله ، مخلفا بين الأرض والسماء . فيخجل أن يراجع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في امرأته ، لأنه لا يدري كيف يكون الجواب . هذه صفحة . والصفحة الأخرى هي صفحة البشرى . بشرى القبول . بشرى العودة إلى الصف . بشرى التوبة من الذنب . بشرى البعث والعودة إلى الحياة . . « فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه منا . قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج . فآذن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بتوبة اللّه علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبيّ مبشرون ، وركض إلي رجل فرسا ، وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس . فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته . واللّه ما أملك غيرهما يومئذ ، فاستعرت ثوبين فلبستهما ، فانطلقت أؤم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة ،