له شرع يدان به « 1 » ، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه . كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق ، من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب « 2 » ؟ ! « هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة ، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام عليها ؛ وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة ، وجعلها خالصة للمسلمين ، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى : ( 2 : 190 وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ) وقوله : ( 8 : 61 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) بقدر الإمكان . وإن قال الجمهور بنسخ هذه الآية بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك » . . انتهى .
وظاهر من هذا الاستعراض ومن التعقيب عليه - ومما جاء بعده في تفسير السورة في تفسير المنار - أنه مع لمس السبب الأصيل العميق الكامن وراء هذه السلسلة من نقض العهود ، وابتداء أول فرصة لحرب الإسلام وأهله من المشركين وأهل الكتاب ، فإن المؤلف لا يتابع هذا السبب إلى جذوره ؛ ولا يرى امتداده وشموله ؛ ولا يستشرف الحقيقة الكبيرة في طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي ؛ وطبيعة الاختلاف الجذري بين منهج اللّه ومناهج العبيد ، التي لا يمكن الالتقاء على شيء منها ؛ وبالتالي لا يمكن التعايش الطويل بين المعسكرات القائمة على منهج اللّه وهذه المناهج أصلا ! فأما الأستاذ محمد عزة دروزة في تفسيره للسورة في كتابه : « التفسير الحديث » فيبعد جدا عن هذه الحقيقة الكبرى ؛ ولا يلمس ذلك السبب الأصيل العميق أصلا . ذلك أنه مشغول - كغيره من الكتاب المحدثين الواقعين تحت ضغط الواقع البائس لذراري المسلمين ، وللقوة الظاهرة لمعسكرات المشركين والملحدين وأهل الكتاب في هذا الزمان - بتلمس شهادة لهذا الدين بأنه دين السلم والسلام ؛ الذي لا يعنيه إلا أن يعيش داخل حدوده في سلام ! فمتى أمكنت المهادنة والمعاهدة فهو حريص عليها ، لا يعدل بها هدفا آخر ! وهو من ثم لا يرى سببا لهذه النصوص الجديدة الأخيرة في سورة التوبة إلا نقض بعض المشركين لعهودهم مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأن الذين لم ينقضوا عهودهم - سواء كانت مؤقتة أو مؤبدة - فقد جاءت السورة بالمحافظة عليها . وأنه حتى إذا انقضت عهودهم فإنه يجوز أن تعقد معهم معاهدات جديدة ! وكذلك الناكثون أنفسهم ! وأن الآيات المرحلية هي الأصل الذي يقيد عموم الآيات الأخيرة في هذه السورة ! ! ! وفي ذلك يقول في شرح قوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. .
« وفي الآيتين وما قبلهما صور من السيرة النبوية في أواخر العهد المدني ، حيث ينطوي فيهما أنه كان بين
هامش
( 1 - 2 ) من العجيب أنه مع لمس المؤلف - رحمه اللّه - لهذه الحقيقة الأصيلة التي هي القاعدة الأساسية لعدم إمكان التعايش على أساس المعاهدات بين المعسكر الإسلامي ومعسكر الشرك ومعسكر أهل الكتاب - إلا في فترات موقوتة لا تمثل قاعدة دائمة - فإنه اتجه إلى أن قاعدة العلاقات بين المعسكر الإسلامي وهذه المعسكرات هي المعاهدات السلمية ما لم يقع الاعتداء على المسلمين في دارهم ! وأن هذا ممكن دائما ! وغيره هو الاستثناء ! وأن الأمر خاص بمشركي الجزيرة . . ( وهذا صحيح نسبيا ، ولكن حقيقة الأمر في المشركين عامة هي ذاتها حقيقة مشركي الجزيرة . كما سنبين في أثناء مواجهة النصوص ) .