تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1587

مساهمون:

ص١٥٨٧
التعارض بين منهجين للحياة لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة ؛ وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم ! . . فهي حتمية لا اختيار فيها - في الحقيقة - لهؤلاء ولا هؤلاء ! وكانت هذه الحتمية تفعل فعلها على مدى الزمن ، وعلى مدى التجارب ؛ وتتجلى في صور شتى ، تؤكد وتعمق ضرورة الخطوة النهائية الأخيرة التي أعلنت في هذه السورة ؛ ولم تكن الأسباب القريبة المباشرة التي تذكرها بعض الروايات إلا حلقات في سلسلة طويلة ممتدة على مدى السيرة النبوية الشريفة ، وعلى مدى الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى . . وبهذه السعة في النظرة إلى الجذور الأصيلة للموقف ، وإلى تحركاته المستمرة ، يمكن فهم هذه الخطوة الأخيرة . وذلك مع عدم إغفال الأسباب القريبة المباشرة ، لأنها بدورها لا تعدو أن تكون حلقات في تلك السلسلة الطويلة . وقد ذكر الإمام البغوي في تفسيره أن المفسرين قالوا : إنه لما خرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى تبوك أرجف المنافقون ، وأخذ المشركون ينقضون عهودهم ؛ فأنزل اللّه الآيات بالنسبة لهؤلاء ، مع إمهالهم أربعة أشهر إن كانت مدة عهدهم أقل ، أو قصرها على أربعة أشهر إن كانت أكثر . وذكر الإمام الطبري - بعد استعراضه الأقوال في تفسير مطلع السورة - : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : لأجل الذي جعله اللّه لأهل العهد من المشركين ، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله :
« فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ »
إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته . فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه ، فإن اللّه جل ثناؤه أمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله :
« إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ »
. ومما رواه الطبري كذلك - بإسناده - عن مجاهد قوله :
« بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
قال : أهل العهد : مدلج والعرب الذين عاهدهم ، ومن كان له عهد . قال : أقبل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من تبوك حين فرغ منها ، وأراد الحج . ثم قال : « إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك » . فأرسل أبا بكر وعليا رحمة اللّه عليهما ، فطافا بالناس بذي المجاز ، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها ، وبالموسم كله ، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر . فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات : عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر . ثم لا عهد لهم . وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا « 1 » . فآمن الناس أجمعون حينئذ ، ولم يسح أحد » . وهذه الأسباب القريبة المباشرة لا شك كان لها وزنها في اتخاذ الخطوة الأخيرة الحاسمة . ولكنها بدورها ليست إلا حلقات في السلسلة الطويلة ؛ الناشئة ابتداء من الحتمية الجذرية الكبيرة : وهي تعارض المنهجين أصلا ، وعدم إمكان التعايش بينهما إلا فترات اضطرارية تنتهي حتما . .
هامش
( 1 ) واضح من النص القرآني أنه أمهل ذوي العهود غير الناقضين إلى مدتهم . ولعل مجاهدا - رضي اللّه عنه - إنما عنى ذلك إجمالا . .
في ظلال القرآن — صفحة 1587 | سيد قطب