وواضح كذلك أن المؤلف لا يلقي باله إلى طبيعة المنهج الحركي في الإسلام ، ومواجهته للواقع بوسائل مكافئة . فهو يحيل الأحكام النهائية الأخيرة على النصوص المرحلية قبلها . دون التفات إلى أن النصوص السابقة كانت تواجه حالات واقعة غير الحالة التي جاءت النصوص الأخيرة تواجهها . . وحقيقة إن هذه الأحكام ليست ( منسوخة ) بمعنى أنه لا يجوز الأخذ بها مهما تكن الأحوال - بعد نزول الأحكام الأخيرة - فهي باقية لمواجهة الحالات التي تكون من نوع الحالات التي واجهتها . ولكنها لا تقيد المسلمين إذا واجهتهم حالات كالتي واجهتها النصوص الأخيرة ، وكانوا قادرين على تنفيذها . .
. . إن الأمر في حاجة إلى سعة ومرونة وإدراك لطبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي كما أسلفنا . .
وبعد ، فإننا نعود إلى العبارة التي افتتحنا بها الفقرة السابقة :
« والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها ، ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي ، ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه . . يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين - وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة - كان قد جاء موعدها ، وتمهدت لها الأرض ، وتهيأت لها الأحوال ، وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم » .
كانت التجربة تلو التجربة قد كشفت عن القانون الحتمي الذي يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم الذي يفرد اللّه سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية والتشريع ؛ والمجتمعات الجاهلية التي تجعل هذا كله لغير اللّه ، أو تجعل فيه شركاء للّه . . هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يعبر عنه قول اللّه سبحانه :
« وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً »
. .
( الحج : 40 ) والذي يقول عنه سبحانه كذلك :
« وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ »
. .
( البقرة : 251 ) وقد ظهرت آثار هذا القانون الحتمي في ظاهرتين بارزتين :
إحداهما : انطلاق الإسلام خطوة بعد خطوة ، وغزوة بعد غزوة ، ومرحلة بعد مرحلة ؛ لنشر منهج اللّه في الأرض حوله ؛ وإبلاغ كلمة اللّه إلى أرض بعد أرض وإلى قبيلة بعد قبيلة - في طريقه إلى إبلاغها إلى الناس كافة وإزالة الحواجز المادية التي تحول دون هذا الإعلان العام والبلوغ إلى كل بني الإنسان - حتى فتحت مكة ، وخضدت شوكة قريش العقبة الكبرى في طريق الزحف الإسلامي ، واستسلمت هوازن وثقيف في الطائف أقوى القبائل بعد قريش في طريق هذا الزحف . وأصبحت للإسلام قوته التي ترهب عدوه ؛ وتسمح بالقيام بالخطوة النهائية الحاسمة في الجزيرة - تمهيدا لما وراءها من أرض اللّه حسبما تتهيأ الظروف الملائمة لكل خطوة تالية ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للّه .
وثانيتهما : نقض العهود التي كانت المعسكرات الجاهلية تعقدها مع المسلمين - في ظروف مختلفة - عهدا بعد عهد ؛ بمجرد أن تتاح لها فرصة نقضها ، وعند أول بادرة تشير إلى أن المعسكر الإسلامي في ضائقة تهدد وجوده ؛ أو على الأقل تجعل هذا النقض مأمون العاقبة على ناقضيه من المشركين - ومن أهل الكتاب من قبلهم - فما كانت هذه العهود - إلا نادرا - عن رغبة حقيقية في مسالمة الإسلام ومهادنة المسلمين ؛ إنما كانت عن اضطرار