تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1586

مساهمون:

ص١٥٨٦
هذا المقطع من سياق السورة نزل متأخرا عن بقيتها ؛ وإن كان قد جاء ترتيبه في مقدماتها . وترتيب الآيات في السورة كان يتم - كما تقدم - بأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فهو أمر توقيفي منه صلى اللّه عليه وسلم . وهو يتضمن إنهاء العهود التي كانت قائمة بين المسلمين والمشركين حتى ذلك الحين . سواء كان هذا الإنهاء بعد أربعة أشهر لمن كانت عهودهم مطلقة ، أو الناكثين لعهودهم ؛ أو كان بعد انتهاء الأجل لمن كانت لهم عهود مقيدة ، ولم ينقصوا المسلمين شيئا ولم يظاهروا عليهم أحدا . . فعلى الجملة كانت النتيجة الأخيرة هي إنهاء العهود مع المشركين في الجزيرة العربية ؛ وإنهاء مبدأ التعاقد أصلا مع المشركين بعد ذلك ، بالبراءة المطلقة من المشركين ، وباستنكار أن يكون للمشركين عهد عند اللّه وعند رسوله . ومن بين ما يتضمنه كذلك عدم السماح للمشركين بالطواف بالمسجد الحرام أو عمارته في صورة من الصور بعد ذلك . خلافا لما كان عليه العهد العام المطلق بين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمشركين ، أن يأمن بعضهم بعضا في البيت الحرام والأشهر الحرم مع بقائهم على شركهم . والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها ، ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي ؛ ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه . . يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين - وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة - كان قد جاء موعدها ، وتمهدت لها الأرض ، وتهيأت لها الأحوال ، وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم . كان قد تبين من الواقع العملي مرحلة بعد مرحلة ، وتجربة بعد تجربة ، أنه لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق البعيد المدى الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور ، والخلق والسلوك ، والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي - والإنساني - وهو الاختلاف الذي لا بد أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور . . منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد للّه وحده بلا شريك ؛ والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر ، وللآلهة المدعاة ، وللأرباب المتفرقة . ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة ؛ لأن كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بد أن تكون مختلفة مع الأخرى ، ومتصادمة معها تماما ، في مثل هذين المنهجين وفي مثل هذين النظامين . إنها لم تكن فلتة عارضة أن تقف قريش تلك الوقفة العنيدة لدعوة « أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » في مكة . ولا أن تحاربها هذه الحرب الجائرة في المدينة . . ولم تكن فلتة عارضة أن يقف اليهود في المدينة كذلك لهذه الحركة ؛ وأن يجمعهم مع المشركين معسكر واحد - وهم من أهل الكتاب ! - وأن يؤلب اليهود وتؤلب قريش قبائل العرب في الجزيرة في غزوة الأحزاب لاستئصال شأفة ذلك الخطر الذي يتهدد الجميع بمجرد قيام الدولة في المدينة على أساس هذه العقيدة ، وإقامة نظامها وفق ذلك المنهج الرباني المتفرد ! . وكذلك سنعلم بعد قليل أنها لم تكن فلتة عابرة أن يقف النصارى - وهم من أهل الكتاب كذلك ! - لهذه الدعوة ولهذه الحركة سواء في اليمن أم في الشام ؛ أم فيما وراء اليمن ووراء الشام إلى آخر الزمان ! . . إنها طبائع الأشياء . . إنها أولا طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيدا - ويستشعرها بالفطرة - أصحاب المناهج الأخرى ! طبيعة الإصرار على إقامة مملكة اللّه في الأرض ، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ؛ وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين « الناس كافة » وبين حرية الاختيار الحقيقية . . ثم إنها ثانيا طبيعة