تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1588

مساهمون:

ص١٥٨٨
وقد أراد المرحوم الشيخ رشيد رضا أن يلم بحلقات السلسلة منذ بدء الدعوة - وإن يكن لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها ؛ والذي ينتهي بما انتهت إليه حتما - فقال في تفسير المنار : « من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه ، أن اللّه تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين ، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ، ذكرنا كلياتها في تفسير : ( 2 : 3 ) ( ص 190 - ص 228 ج 1 ) وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة « 1 » ؛ ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة ، كما بيناه في تفسير ( 2 : 256 ص 26 - ص 40 ج 3 ) فقاومه المشركون ، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه ، وصدوه ( ص ) عن تبليغه للناس بالقوة ؛ ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب ، إلا بتأمين حليف أو قريب . فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة ؛ ثم اشتد إيذاؤهم للرسول ( ص ) حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة ؛ ورجحوا في آخر الأمر قتله ؛ فأمره اللّه تعالى بالهجرة ، كما تقدم في تفسير ( 8 : 30 وإذ يمكر بك الذين كفروا - ص 650 ج 9 ) فهاجر ( ص ) وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا للّه ولرسوله يحبون من هاجر إليهم ، ويؤثرونهم على أنفسهم . وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع ومقتضى العرف العام في ذلك العصر . وعاهد ( ص ) أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون . فخانوا وغدروا ، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه . كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء ( ص 1547 - 1556 ) . « وقد عاهد ( ص ) المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل ، عن قوة وعزة ، لا عن ضعف وذلة ، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة « 2 » . ودخلت خزاعة في عهده ( ص ) كما دخلت بنو بكر في عهد قريش ؛ ثم عدا هؤلاء على أولئك وأعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم ، فكان ذلك سبب عودة الحرب العامة معهم ، وفتحه ( ص ) لمكة ، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله ؛ ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا ؛ وثبت بالتجربة لهم في حالي قوتهم وضعفهم أنهم لا عهود لهم ، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم ، وكما يأتي قريبا في قوله تعالى من هذه السورة 7 :
« كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ
- إلى قوله في آخر آية 12 -
فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ، إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ »
. أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها . والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية ، فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه ، مع بقائهم على شركهم الذي ليس
هامش
( 1 ) لا بد أن ننبه هنا إلى منهج مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده ، المتأثرة بفلسفة غريبة عن الإسلام وهي فلسفة « ديكارت » مما جعلها تركز تركيزا شديدا على « العقل » وتعطيه أكثر من مجاله في مسائل العقيدة . فلا بد أن نضيف إلى البراهين العقلية والعلمية البراهين الفطرية البديهية كذلك في هذا الدين ومجاوبتها لكل الكينونة البشرية بما فيها العقل والذهن . ( 2 ) هذا كلام صحيح إذ أريد به أن نشر العقيدة بالاقناع والحجة هو قاعدة هذه الحركة . ولكنه يتجاوز مداه المأمون حين يراد به أن الجهاد في الإسلام لا يكون إلا دفاعا عن المسلمين ، وأن السلم واجبة في غير هذه الحالة . . كما يتجه المؤلف رحمه اللّه .