الطمأنينة على قلوب العصبة المسلمة . واللّه عليم بسرائرهم ، مطلع على قلة عددهم وضعف عدتهم ، وما تحدثه في نفوسهم لو عرفوا كثرة عدوهم ، من ضعف عن المواجهة ؛ وتنازع على الالتحام أو الإحجام .
وكان هذا تدبيرا من تدبير اللّه العليم بذات الصدور .
وحينما التقى الجمعان وجها لوجه ، تكررت الرؤيا النبوية الصادقة ، في صورة عيانية من الجانبين ؛ وكان هذا من التدبير الذي يذكرهم اللّه به ؛ عند استعراض المعركة وأحداثها وما وراءها .
« وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. .
ولقد كان في هذا التدبير الإلهي ما أغرى الفريقين بخوض المعركة . . والمؤمنون يرون أعداءهم قليلا - لأنهم يرونهم بعين الحقيقة ! - والمشركون يرونهم قليلا - وهم يرونهم بعين الظاهر - ومن وراء الحقيقتين اللتين رأى كل فريق منهما صاحبه بها ، تحققت غاية التدبير الإلهي ؛ ووقع الأمر الذي جرى به قضاؤه . .
« وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. .
وهو التعقيب المناسب لتحقق التدبير ووقوع القضاء . . . فهو أمر من الأمور التي مرجعها للّه وحده ، يصرفها بسلطانه ، ويوقعها بإرادته ، ولا تند عن قدرته وحكمه . ولا ينفذ شيء في الوجود إلا ما قضاه وأجرى به قدره .
وإذ إن الأمر كذلك . . التدبير تدبير اللّه . والنصر من عند اللّه . والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر . والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة . . فليثبت الذين آمنوا إذن حين يلقون الذين كفروا ؛ وليتزودوا بالعدة الحقيقية للمعركة ؛ وليأخذوا بالأسباب الموصولة بصاحب التدبير والتقدير ، وصاحب العون والمدد ، وصاحب القوة والسلطان ؛ وليتجنبوا أسباب الهزيمة التي هزمت الكفار على كثرة العدد وكثرة العدة ؛ وليتجردوا من البطر والكبرياء والباطل ؛ وليحترزوا من خداع الشيطان ، الذي أهلك أولئك الكفار ؛ وليتوكلوا على اللّه وحده فهو العزيز الحكيم :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا . وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ . وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ، وَقالَ : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ . فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ، إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ . إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ ! وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »
. .
وفي هذه الفقرات القليلة تحتشد معان وإيحاءات ، وقواعد وتوجيهات ، وصور ومشاهد ؛ وتشخص مواقف من المعركة كأنها حية واقعة ، وتتكشف خواطر ومشاعر وضمائر وسرائر . . مما يحتاج تصويره إلى أضعاف هذه المساحة من التعبير ؛ ثم لا يبلغ ذلك شيئا من هذا التصوير المدهش الفريد ! إنها تبدأ بنداء الذين آمنوا - في سلسلة النداءات المتكررة للعصبة المسلمة في السورة - وتوجيههم إلى الثبات عند لقاء الأعداء ، وإلى التزود بزاد النصر ؛ والتأهب بأهبته .