ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر ، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها ! وإنما هو وضع « الذات » في كفة ، والحق في كفة ؛ وترجيح الذات على الحق ابتداء ! . . ومن ثم هذا التعليم بطاعة اللّه ورسوله عند المعركة . . إنه من عمليات « الضبط » التي لا بد منها في المعركة . . إنها طاعة القيادة العليا فيها ، التي تنبثق منها طاعة الأمير الذي يقودها . وهي طاعة قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية في الجيوش التي لا تجاهد للّه ، ولا يقوم ولاؤها للقيادة على ولائها للّه أصلا . . والمسافة كبيرة كبيرة . .
وأما الصبر . فهو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة . . أية معركة . . في ميدان النفس أم في ميدان القتال .
« وَاصْبِرُوا ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ »
. .
وهذه المعية من اللّه هي الضمان للصابرين بالفوز والغلب والفلاح . .
ويبقى التعليم الأخير :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ »
. .
يبقى هذا التعليم ليحمي العصبة المؤمنة من أن تخرج للقتال متبطرة طاغية تتعاجب بقوتها ! وتستخدم نعمة القوة التي أعطاها اللّه لها في غير ما أرادها . . والعصبة المؤمنة إنما تخرج للقتال في سبيل اللّه ؛ تخرج لتقرير ألوهيته سبحانه في حياة البشر ، وتقرير عبودية العباد للّه وحده . وتخرج لتحطيم الطواغيت التي تغتصب حق اللّه في تعبيد العباد له وحده ، والتي تزاول الألوهية في الأرض بمزاولتها للحاكمية - بغير إذن اللّه وشرعه - وتخرج لإعلان تحرير « الإنسان » في « الأرض » من كل عبودية لغير اللّه ، تستذل إنسانية الإنسان وكرامته .
وتخرج لحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم ، لا للاستعلاء على الناس واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة باستخدامها هذا الاستخدام المنكر . وتخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملة ، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة اللّه في تلبية أمره بالجهاد ؛ وفي إقامة منهجه في الحياة ؛ وفي إعلاء كلمته في الأرض ؛ وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه . . حتى الغنائم التي تخلفها المعركة فهي من فضل اللّه . .
ولقد كانت صورة الخروج بطرا ورئاء الناس وصدا عن سبيل اللّه حاضرة أمام العصبة المسلمة ؛ يرونها في خروج قريش بالصورة التي خرجت بها ؛ كما كانت صورة العاقبة لهذا الخروج حاضرة فيما أصاب قريشا التي خرجت في ذلك اليوم بفخرها وعزها وكبريائها تحاد اللّه ورسوله : وعادت في آخر اليوم بالذل والخيبة والانكسار والهزيمة . . وكان اللّه سبحانه يذكر العصبة المسلمة بشيء حاضر له وقعه وله إيحاؤه :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ »
. .
والبطر والمراءاة والصد عن سبيل اللّه تتجلى كلها في قولة أبي جهل ، وقد جاءه رسول أبي سفيان - بعد أن ساحل بالعير فنجت من رصد المسلمين - يطلب إليه الرجوع بالنفير ، إذ لم تعد بهم حاجة لقتال محمد وأصحابه . وكانت قريش قد خرجت بالقيان والدفوف يغنون وينحرون الجزر على مراحل الطريق . فقال أبو جهل : « لا واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا ، فنقيم ثلاثا ، ننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونشرب الخمر ،