تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1525

مساهمون:

ص١٥٢٥
ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه . وإنما جمعهما اللّه هكذا على جانبي الربوة لأمر يريده . حتى لو أن بينهما موعدا على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد ! وهذا ما يذكر اللّه به العصبة المسلمة ليذكرها بتدبيره وتقديره .
« إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا »
. . إن وراء هذا التلاقي على غير موعد - بهذه الدقة وبهذا الضبط - لأمرا مقضيا يريد اللّه تحقيقه في عالم الواقع ، ويدبر له هذا التدبير الخفي اللطيف ؛ ويجعلكم أنتم أداة تحقيقه ، ويهيئ له جميع الظروف التي تيسر لكم القيام به ! أما هذا الأمر المقتضى الذي دبر اللّه الظروف لتحقيقه فهو الذي يقول عنه :
« لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ »
. . والهلاك يعبر به عن مدلوله المباشر ، كما يعبر به عن الكفر . وكذلك الحياة فإنها قد تفيد مدلولها المباشر وقد يعبر بها عن الإيمان . . وهذا المدلول الثاني أظهر هنا ، وذلك كما قال اللّه سبحانه في مثل هذا المعنى :
« أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ؟ »
. . فعبر عن الكفر بالموت وعبر عن الإيمان بالحياة ؛ وجرى في هذا على نظرة الإسلام لحقيقة الكفر وحقيقة الإيمان . هذه النظرة التي أوضحناها بشيء من التفصيل عند استعراض هذه الآية من سورة الأنعام في الجزء الثامن « 1 » . ووجه ترجيح هذا المدلول هنا أن يوم بدر - كما قال اللّه سبحانه - كان « يوم الفرقان » وقد فرق اللّه فيه بين الحق والباطل - كما ذكرنا منذ قليل - ومن ثم فإن من يكفر بعدها فإنما يكفر في غير شبهة - يكفر عن بينة فيهلك عن بينة - ومن يؤمن بعدها فإنما يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة . . إن الموقعة - بظروفها التي صاحبتها - تحمل بينة لا تجحد ، وتدل دلالة لا تنكر ، على تدبير وراء تدبير البشر ، وعلى قوى وراءها غير قوة البشر . . إنها تثبت أن لهذا الدين ربا يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا ، وأنه لو كان الأمر إلى القوى المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم . . ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال : « فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما نقاتل اللّه - كما يزعم محمد - فما لأحد باللّه من طاقة » ! ولقد علموا - لو كان العلم يجدي - أنهم إنما يقاتلون اللّه كما قال لهم محمد الصادق الأمين ، وأنه ما لأحد باللّه من طاقة . . فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة ! هذا ما يتبادر إلى الذهن من معنى هذا التعقيب : « ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة » . . ولكن يبقى وراءه إيحاء آخر : إن وقوع المعركة بين جند الحق وجند الباطل ؛ واستعلاء سلطان الحق في عالم الواقع - بعد استعلائه في
هامش
( 1 ) ص 1199 - 1201 من الجزء الثامن من الظلال . « دار الشروق » .