تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1526

مساهمون:

ص١٥٢٦
عالم الضمائر - إن هذا كله مما يعين على جلاء الحق للعيون والقلوب ؛ وعلى إزالة اللبس في العقول والنفوس ؛ بحيث يتبين الأمر بهذا الفتح ويتجلى ؛ فلا تعود لمن يختار الهلاك - أي الكفر - شبهة في الحق الذي استعلن واستعلى ؛ كما أن الذي يريد أن يحيا - أي يؤمن - لا يعود لديه شك في أن هذا هو الحق الذي ينصره اللّه ، ويخذل الطغاة . وهذا يعود بنا إلى ما قدمناه في الجزء التاسع - في التعريف بسورة الأنفال - من الحديث عن ضرورة الجهاد لتحطيم قوى الشر وسلطان الطاغوت ؛ وإعلاء راية الحق وسلطان اللّه . . فهذا مما يعين على جلاء الحق : « ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة » . . كما أن هذه اللفتة تساعدنا على تفهم أبعاد الإيحاء الذي يعطيه قول اللّه تعالى ، في هذه السورة :
« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ . . »
فإعداد القوة والإرهاب بها مما يعين على جلاء الحق في أنماط من القلوب . لا تستيقظ ولا تتبين إلا على إيقاعات القوة التي تحمل الحق وتنطلق به لإعلان تحرير « الإنسان » في « الأرض » كما أسلفنا . « 1 » والتعقيب على ذلك الجانب من التدبير الإلهي في المعركة ، وعلى غاية هذا التدبير التي تحققت فعلا هو :
« وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء مما يقول فريق الحق أو فريق الباطل ؛ ولا شيء مما يخفونه في صدورهم وراء الأقوال والأفعال ؛ وهو يدبر ويقدر باطلاعه على الظواهر وعلمه بالسرائر ، وهو السميع العليم . . وبعد هذا التعقيب الذي يتوسط استعراض المعركة وأحداثها وملابساتها يمضي السياق في هذا الاستعراض ؛ ويكشف التدبير الخفي اللطيف :
« إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ . وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
. . ولقد كان من تدبير اللّه في المعركة أن يرى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الكافرين في الرؤيا في منامه قليلا لا قوة لهم ولا وزن . فينبئ أصحابه برؤياه ، فيستبشروا بها ويتشجعوا على خوض المعركة . . ثم يخبر اللّه هنا لم أراهم لنبيه قليلا . فلقد علم - سبحانه - أنه لو أراهم له كثيرا ، لفت ذلك في قلوب القلة التي معه ، وقد خرجت على غير استعداد ولا توقع لقتال ، ولضعفوا عن لقاء عدوهم ؛ وتنازعوا فيما بينهم على ملاقاتهم : فريق يرى أن يقاتلهم وفريق يرى تجنب الالتحام بهم . . وهذا النزاع في هذا الظرف هو أبأس ما يصيب جيشا يواجه عدوا !
« وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
. . ولقد كان - سبحانه - يعلم بذوات الصدور ؛ فلطف بالعصبة المسلمة أن يعرضها لما يعلمه من ضعفها في ذلك الموقف ؛ فأرى نبيه المشركين في رؤياه قليلا ، ولم يرهم إياه كثيرا . . والرؤيا صادقة في دلالتها الحقيقية . فقد رآهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قليلا . . وهم كثير عددهم ، ولكن قليل غناؤهم ، قليل وزنهم في المعركة ، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع ، والإيمان الدافع ، والزاد النافع . . وهذه الحقيقة الواقعة - من وراء الظاهر الخادع - هي التي أراها اللّه لرسوله ؛ فأدخل بها
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع الجزء التاسع ص 1431 - 1452 .