تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1524

مساهمون:

ص١٥٢٤
الذي أشار إليه قول اللّه تعالى في معرض بيان إرادته - سبحانه - من وراء المعركة ، ومن وراء إخراج الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من بيته بالحق ؛ ومن وراء إفلات القافلة ( غير ذات الشوكة ) ولقاء الفئة ذات الشوكة . . ولقد كان هذا كله فرقانا في منهج هذا الدين ذاته ، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم . . وإنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته ؛ حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين ! حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين ! « 1 » وهكذا كان يوم بدر « يوم الفرقان يوم التقى الجمعان » بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة . .
« وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . وفي هذا اليوم مثل من قدرته على كل شيء . . مثل لا يجادل فيه مجادل ، ولا يماري فيه ممار . . مثل من الواقع المشهود ، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة اللّه . وأن اللّه على كل شيء قدير . وهنا يعود السياق إلى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان . . يعود إلى المعركة ، فيعيد عرضها بأسلوب عجيب في استحضار مشاهدها ومواقفها ، كما لو كانت معروضة فعلا ، ويكشف عن تدبير اللّه في إدارتها . حتى ليكاد الإنسان يرى يد اللّه - سبحانه - من وراء الأحداث والحركات كما يكشف عن غاية ذلك التدبير التي تحققت كما أرادها اللّه سبحانه :
« إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ . وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا . لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. إن المعركة شاخصة بمواقع الفريقين فيها ؛ وشاهدة بالتدبير الخفي من ورائها . . إن يد اللّه تكاد ترى ، وهي توقف هؤلاء هنا ، وهؤلاء هناك ، والقافلة من بعيد ! والكلمات تكاد تشف عن تدبير اللّه في رؤيا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وفي تقليل كل فريق في عين الفريق الآخر ، وفي إغراء كل منهما بالآخر . . وما يملك إلا الأسلوب القرآني الفريد ، عرض المشاهد وما وراء المشاهد بهذه الحيوية ، وبهذه الحركة المرئية ، وفي مثل هذه المساحة الصغيرة من التعبير ! وهذه المشاهد التي تستحضرها النصوص ، قد مر بنا في استعراض الوقعة من السيرة الإشارة إليها . . ذلك أن المسلمين حين خرجوا من المدينة نزلوا بضفة الوادي القريبة من المدينة ؛ ونزل جيش المشركين بقيادة أبي جهل بالضفة الأخرى البعيدة من المدينة ؛ وبين الفريقين ربوة تفصلهما . . أما القافلة فقد مال بها أبو سفيان إلى سيف البحر أسفل من الجيشين .
هامش
( 1 ) كان موضع هذه اللفتة في الجزء التاسع عند استعراض هذا النص . ولكن لم يفتح به علي وقتها ، وفتح علي به هنا . والحمد للّه أولا وأخيرا .