تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1521

مساهمون:

ص١٥٢١
ويدبر أمر المعركة وأمرهم كله . . وعاد كذلك ليذكرهم بأن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو الإيمان . . هو شرط الإيمان ، وهو مقتضى الإيمان . .
« وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . . إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ »
. . وهكذا تتواتر النصوص ، لتقرر أصلا واضحا جازما من أصول هذا الدين في اعتبار مدلول الإيمان وحقيقته وشرطه ومقتضاه . ثم نقف أمام وصف اللّه - سبحانه - لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله : « عبدنا » في هذا الموضع الذي يرد إليه فيه أمر الغنائم كلها ابتداء ، وأمر الخمس المتبقي أخيرا :
« إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ، وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ »
. . إنه وصف موح . . إن العبودية للّه هي حقيقة الإيمان ؛ وهي في الوقت ذاته أعلى مقام للإنسان يبلغ إليه بتكريم اللّه له ؛ فهي تجلى وتذكر في المقام الذي يوكل فيه إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - التبليغ عن اللّه ، كما يوكل إليه فيه التصرف فيما خوله اللّه . وإنه لكذلك في واقع الحياة ! إنه لكذلك مقام كريم . . أكرم مقام يرتفع إليه الإنسان . . إن العبودية للّه وحده هي العاصم من العبودية للهوى ، والعاصم من العبودية للعباد . . وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له ، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه . إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدا للّه وحده ، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى . يقعون من فورهم عبيدا لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم ؛ فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص اللّه بها نوع « الإنسان » من بين سائر الأنواع ؛ وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب ، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل ، وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا - كما خلقهم اللّه - في أحسن تقويم . كذلك يقع الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدا للّه في شر العبوديات الأخرى وأحطها . . يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم ، يصرفون حياتهم وفق هواهم ، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر ، مشوبة بحب الاستعلاء ، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى ! ويقعون في عبودية « الحتميات » التي يقال لهم : إنه لا قبل لهم بها ، وإنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها . . « حتمية التاريخ » . . و « حتمية الاقتصاد » . . و « حتمية التطور » وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين « الإنسان » في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه ، ولا أن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة ! « 1 » ثم نقف كذلك أمام وصف اللّه - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان :
« إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ »
. . لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير اللّه وتوجيهه وقيادته ومدده - فرقانا . . فرقانا بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالا - وفرقانا بمعنى أشمل وأوسع وأدق وأعمق كثيرا . .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « التطور والثبات في حياة البشرية » وكتاب : « جاهلية القرن العشرين » لمحمد قطب . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1521 | سيد قطب