يمضي السياق في السورة ، يستعرض الماضي في مواجهة الحاضر ؛ ويصور للعصبة المسلمة التي خاضت المعركة وانتصرت فيها ذلك النصر المؤزر ، مدى النقلة الهائلة بين ذلك الماضي وهذا الحاضر ؛ ويريها فضل اللّه عليها في تدبيره لها وتقديره . . الأمر الذي تتضاءل إلى جانبه الأنفال والغنائم ؛ كما تهون إلى جانبه التضحيات والمشاق .
ولقد سبق في الدرس الماضي تصوير ما كان عليه موقف المسلمين في مكة - وقبل هذه الغزوة - من القلة والضعف وقلة المنعة ، حتى ليخافون أن يتخطفهم الناس ؛ وتصوير ما صاروا إليه من الإيواء والعزة والنعمة بتدبير اللّه ورعايته وفضله . .
وهنا يستطرد إلى تصوير موقف المشركين وهم يبيتون لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قبيل الهجرة ويتآمرون . وهم يعرضون عما معه من الآيات ويزعمون أنهم قادرون على الإتيان بمثلها لو يشاءون ! وهم يعاندون ويلج بهم العناد حتى ليستعجلون العذاب - إن كان هذا هو الحق من عند اللّه - بدلا من أن يفيئوا إليه ويهتدوا به ! ثم يذكر كيف ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اللّه ، ويجمعوا لحرب رسول اللّه ؛ ويوعدهم بالخيبة والحسرة في الدنيا ، والحشر إلى جهنم في الآخرة ، والخسارة هنا وهناك من وراء الكيد والجمع والتدبير .
وفي النهاية يأمر اللّه نبيه أن يواجه الذين كفروا فيخيرهم بين أمرين : أن ينتهوا عن الكفر العناد وحرب اللّه ورسوله فيغفر لهم ما سبق في جاهليتهم من هذه المنكرات . أو أن يعودوا لما هم عليه وما حاولوه فيصيبهم ما أصاب الأولين من أمثالهم ؛ وتجري عليه سنة اللّه بالعذاب الذي يشاؤه اللّه ويقدره كما يريد . . .
ثم يأمر اللّه المسلمين أن يقاتلوهم حتى لا تكون للكفر قوة يفتنون بها المسلمين ؛ وحتى تتقرر الألوهية في
في ظلال القرآن — صفحة 1500
مساهمون: سيد قطب
ص١٥٠٠