تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1498

مساهمون:

ص١٤٩٨
أن تجاهد لتحقيق مدلوله الواقعي ؛ والنهوض بتكاليف هذا الجهاد في الأنفس والأموال والأولاد . كذلك يحذرها خيانة الأمانة التي حملتها يوم بايعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على الإسلام . فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان ، وليس مجرد عبارات وأدعيات . إنما هو منهج حياة كاملة شاملة تعترضه العقبات والمشاق . إنه منهج لبناء واقع الحياة على قاعدة أن لا إله إلا اللّه ؛ وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق ؛ ورد المجتمع إلى حاكميته وشريعته ، ورد الطغاة المعتدين على ألوهية اللّه وسلطانه من الطغيان والاعتداء ؛ وتأمين الحق والعدل للناس جميعا ؛ وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت ؛ وتعمير الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن اللّه بمنهج اللّه . . وكلها أمانات من لم ينهض بها فقد خانها ؛ وخاس بعهده الذي عاهد اللّه عليه ، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله . وكل أولئك في حاجة إلى التضحية والصبر والاحتمال ؛ وإلى الاستعلاء على فتنة الأموال والأولاد ، وإلى التطلع إلى ما عند اللّه من الأجر العظيم ، المدخر لعباده الأمناء على أماناته ، الصابرين المؤثرين المضحين :
« وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ »
. . إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية ، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي ، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن ، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك ! وهو - سبحانه - يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة . ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها . . ومن هنا ينبهها إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد . . لقد وهبها اللّه للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها . فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء ؛ ليرى اللّه فيها صنيع العبد وتصرفه . . أيشكر عليها ويؤدي حق النعمة فيها ؟ أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق اللّه فيها ؟ :
« وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً »
. . فالفتنة لا تكون بالشدة وبالحرمان وحدهما . . إنها كذلك تكون بالرخاء وبالعطاء أيضا ! ومن الرخاء العطاء هذه الأموال والأولاد . . هذا هو التنبيه الأول :
« وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ »
. . فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار ، كان ذلك عونا له على الحذر واليقظة والاحتياط ؛ أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة . ثم لا يدعه اللّه بلا عون منه ولا عوض . . فقد يضعف عن الأداء - بعد الانتباه - لثقل التضحية وضخامة التكليف ؛ وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد ! إنما يلوّح له بما هو خير وأبقى ، ليستعين به على الفتنة ويتقوى :
« وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ »
. . إنه - سبحانه - هو الذي وهب الأموال والأولاد . . وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد ، فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد . . وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف ، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه :
« وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً »
. . إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصور ، والتربية والتوجيه ، والفرض والتكليف . منهج اللّه الذي يعلم ؛ لأنه هو الذي خلق :
« أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ؟ »
.
في ظلال القرآن — صفحة 1498 | سيد قطب