الأرض للّه وحده - فيكون الدين كله للّه - فإن أعلنوا الاستسلام قبل منهم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - هذا ونيتهم يحاسبهم بها اللّه ، واللّه بما يعملون بصير . وإن تولوا وظلوا على حربهم وعنادهم وعدم اعترافهم بألوهية اللّه وحده ، وعدم استسلامهم لسلطان اللّه في الأرض ، وأصل المسلمون جهادهم ، مستيقنين أن اللّه مولاهم ، ونعم المولى ونعم النصير . .
« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ . وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ . وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »
. .
إنه التذكير بما كان في مكة ، قبل تغير الحال ، وتبدل الموقف . وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل ؛ كما ينبه إلى تدبير قدر اللّه وحكمته فيما يقضي به ويأمر . . ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ، يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأى وذاق . وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب ، وما كان فيه من خوف وقلق ؛ في مواجهة الحاضر الواقع وما فيه من أمن وطمأنينة . . وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم ، لا مجرد النجاة منهم ! لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويحبسوه حتى يموت ؛ أو ليقتلوه ويتخلصوا منه ؛ أو ليخرجوه من مكة منفيا مطرودا . . ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله ؛ على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا ؛ ليتفرق دمه في القبائل ؛ ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها ، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر ! قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، أخبرني عثمان الجريري ، عن مقسم مولى ابن عباس ، أخبره ابن عباس في قوله :
« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ »
. . . قال : « تشاورت قريش ليلة بمكة . فقال بعضهم :
إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى اللّه عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه . وقال بعضهم :
بل أخرجوه . فأطلع اللّه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - على ذلك ؛ فبات عليّ - رضي اللّه عنه - على فراش رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وخرج النبي - صلى اللّه عليه وسلم - حتى لحق بالغار . وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا إليه ؛ فلما رأوه عليا رد اللّه تعالى عليهم مكرهم ، فقالوا : أين صاحبك هذا ؟ قال : لا أدري ! فاقتصوا أثره ؛ فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا في الجبل ، فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه . . فمكث فيه ثلاث ليال » .
« وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »
.
والصورة التي يرسمها قوله تعالى :
« وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ »
. . صورة عميقة التأثير . . ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش ، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون . . واللّه من ورائهم ، محيط ، يمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون ! إنها صورة ساخرة ، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة . . فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل ، من تلك القدرة القادرة . . قدرة اللّه الجبار ، القاهر فوق عباده ، الغالب على أمره ، وهو بكل شيء محيط ؟
والتعبير القرآني يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة في التصوير ؛ فيهز بها القلوب ، ويحرك بها أعماق الشعور .