وحاضرهم . . ومن ثم كان لهذا القرآن في حسهم ذلك المذاق . .
والعصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الأرض وفي حياة الناس ؛ قد لا تكون قد مرت بالمرحلتين ، ولا تذوقت المذاقين . . ولكن هذا القرآن يهتف لها بهذه الحقيقة كذلك . ولئن كانت اليوم إنما تعيش في قوله تعالى :
« إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ »
. .
فأولى لها أن تستجيب لدعوة الحياة التي يدعوها إليها رسول اللّه ؛ وأن تترقب في يقين وثقة ، موعود اللّه للعصبة المسلمة ، موعوده الذي حققه للعصبة الأولى ، ووعد بتحقيقه لكل عصبة تستقيم على طريقه ، وتصبر على تكاليفه . . وأن تنتظر قوله تعالى :
« فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
.
وهي إنما تتعامل مع وعد اللّه الصادق - لا مع ظواهر الواقع الخادع - ووعد اللّه هو واقع العصبة المسلمة الذي يرجح كل واقع ! ثم يتكرر الهتاف للذين آمنوا مرة أخرى . . إن الأموال والأولاد قد تقعد الناس عن الاستجابة خوفا وبخلا .
والحياة التي يدعو إليها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حياة كريمة ، لا بد لها من تكاليف ، ولا بد لها من تضحيات . . لذلك يعالج القرآن هذا الحرص بالتنبيه إلى فتنة الأموال والأولاد - فهي موضع ابتلاء واختبار وامتحان - وبالتحذير من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان ؛ ومن التخلف عن دعوة الجهاد ؛ وعن تكاليف الأمانة والعهد والبيعة . واعتبار هذا التخلف خيانة للّه والرسول ، وخيانة للأمانات التي تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض ، وهي إعلاء كلمة اللّه وتقرير ألوهيته وحده للعباد ، والوصاية على البشرية بالحق والعدل . . ومع هذا التحذير التذكير بما عند اللّه من أجر عظيم يرجح الأموال والأولاد ، التي قد تقعد الناس عن التضحية والجهاد :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ »
. .
إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة للّه والرسول . فالقضية الأولى في هذا الدين هي قضية :
« لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه » . . قضية إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية ؛ والأخذ في هذا بما بلغه محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وحده . . والبشرية في تاريخها كله لم تكن تجحد اللّه البتة ؛ ولكنها إنما كانت تشرك معه آلهة أخرى . أحيانا قليلة في الاعتقاد والعبادة . وأحيانا كثيرة في الحاكمية والسلطان - وهذا هو غالب الشرك ومعظمه - ومن ثم كانت القضية الأولى لهذا الدين ليست هي حمل الناس على الاعتقاد بألوهية اللّه . ولكن حملهم على إفراده - سبحانه - بالألوهية ، وشهادة أن لا إله إلا اللّه ، أي إفراده بالحاكمية في حياتهم الأرضية - كما أنهم مقرّون بحاكميته في نظام الكون - تحقيقا لقول اللّه تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ »
. . كذلك كانت هي حملهم على أن الرسول هو وحده المبلغ عن اللّه ؛ ومن ثم الالتزام بكل ما يبلغهم إياه . .
هذه هي قضية هذا الدين - اعتقادا لتقريره في الضمير ، وحركة لتقريره في الحياة - ومن هنا كان التخلي عنها خيانة للّه والرسول ؛ يحذر اللّه منها العصبة المسلمة التي آمنت به وأعلنت هذا الإيمان ؛ فأصبح متعينا عليها