تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1502

مساهمون:

ص١٥٠٢
ويمضي السياق في وصف أحوال الكفار وأفعالهم ؛ ودعاويهم ومفترياتهم . حتى ليبلغ بهم الادعاء أن يزعموا أن في مقدورهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن لو شاءوا ! مع وصف هذا القرآن الكريم ، بأنه أساطير الأولين :
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا : قَدْ سَمِعْنا ! لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ! إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »
. . ذكر ابن كثير في التفسير - نقلا عن سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم - أن القائل لذلك هو النضر ابن الحارث قال : « فإنه - لعنه اللّه - كان قد ذهب إلى بلاد فارس ، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم وإسفنديار ؛ ولما قدم وجد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد بعثه اللّه وهو يتلو على الناس القرآن . فكان - عليه الصلاة والسلام - إذا قام من مجلس جلس فيه النضر فحدثهم من أخبار أولئك ؛ ثم يقول : باللّه أينا أحسن قصصا ؟ أنا أو محمد ؟ ولهذا لما أمكن اللّه تعالى فيه يوم بدر ووقع في الأسارى ، أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن تضرب رقبته صبرا بين يديه ، ففعل ذلك والحمد للّه . وكان الذي أسره المقداد بن الأسود رضي اللّه عنه . . كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد ابن جبير قال : قتل النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط ، وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث . وكان المقداد أسر النضر ، فلما أمر بقتله قال المقداد : يا رسول اللّه ، أسيري ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنه كان يقول في كتاب اللّه عزّ وجل ما يقول » . فأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بقتله ، فقال المقداد : يا رسول اللّه ، أسيري ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم أغن المقداد من فضلك » . فقال المقداد : هذا الذي أردت ! قال : وفيه أنزلت هذه الآية :
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا : قَدْ سَمِعْنا ، لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ، إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »
. . ولقد تكررت في القرآن حكاية قول المشركين عن القرآن : إنه أساطير الأولين : « وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا » . . وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن يقفوا بها في وجه هذا القرآن ، وهو يخاطب الفطرة البشرية بالحق الذي تعرفه في أعماقها فتهتز وتستجيب ؛ ويواجه القلوب بسلطانه القاهر فترتجف لإيقاعه ولا تتماسك . وهنا كان يلجأ العلية من قريش إلى مثل هذه المناورات . وهم يعلمون أنها مناورات ! ولكنهم كانوا يبحثون في القرآن عن شيء يشبه الأساطير المعهودة في أساطير الأمم من حولهم ليموهوا به على جماهير العرب ، الذين من أجلهم تطلق هذه المناورات ، للاحتفاظ بهم في حظيرة العبودية للعبيد ! لقد كان الملأ من قريش يعرفون طبيعة هذه الدعوة ، مذ كانوا يعرفون مدلولات لغتهم الصحيحة ! كانوا يعرفون أن شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، معناها إعلان التمرد على سلطان البشر كافة ، والخروج من حاكمية العباد جملة ؛ والفرار إلى ألوهية اللّه وحده وحاكميته . ثم التلقي في هذه العبودية للّه عن محمد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وحده ، دون الناطقين باسم الآلهة أو باسم اللّه ! . . وكانوا يرون الذين يشهدون هذه الشهادة يخرجون لتوهم من سلطان قريش وقيادتها وحاكميتها ؛ وينضمون إلى التجمع الحركي الذي يقوده محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ويخضعون لقيادته وسلطانه ؛ وينتزعون ولاءهم للأسرة والعشيرة والقبيلة والمشيخة والقيادة الجاهلية ؛ ويتوجهون بولائهم كله للقيادة الجديدة ، وللعصبة المسلمة التي تقوم عليها هذه القيادة الجديدة . كان هذا كله هو مدلول شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . . وكان هذا واقعا يشهده الملأ
في ظلال القرآن — صفحة 1502 | سيد قطب