والفتنة : الابتلاء أو البلاء . . والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره - وأظلم الظلم نبذ شريعة اللّه ومنهجه للحياة - ولا تقف في وجه الظالمين ؛ ولا تأخذ الطريق على المفسدين . . جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . . فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع ( فضلا على أن يروا دين اللّه لا يتبع ؛ بل أن يروا ألوهية اللّه تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها ! ) وهم ساكتون . ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم اللّه من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون ! ولما كانت مقاومة الظلم تكلف الناس التكاليف في الأنفس والأموال ؛ فقد عاد القرآن يذكر العصبة المسلمة - التي كانت تخاطب بهذا القرآن أول مرة - بما كان من ضعفها وقلة عددها ، وبما كان من الأذى الذي ينالها ، والخوف الذي يظللها . . وكيف آواها اللّه بدينه هذا وأعزها ورزقها رزقا طيبا . . فلا تقعد إذن عن الحياة التي يدعوها إليها رسول اللّه . ولا عن تكاليف هذه الحياة ، التي أعزها بها اللّه ، وأعطاها وحماها :
« وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ ، وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. .
اذكروا هذا لتستيقنوا أن الرسول يدعوكم لما يحييكم ؛ واذكروه كيلا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكاله . . اذكروا أيام الضعف والخوف ، قبل أن يوجهكم اللّه إلى قتال المشركين ، وقبل أن يدعوكم الرسول إلى الطائفة ذات الشوكة وأنتم كارهون . . ثم انظروا كيف صرتم بعد الدعوة المحيية التي انقلبتم بها أعزاء منصورين مأجورين مرزوقين . يرزقكم اللّه من الطيبات ليؤهلكم لشكره فتؤجروا على شكركم لفضله ! ويرسم التعبير مشهدا حيا للقلة والضعف والقلق والخوف :
« تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ »
. .
وهو مشهد التربص الوجل ، والترقب الفزع ، حتى لتكاد العين تبصر بالسمات الخائفة ، والحركات المفزّعة ، والعيون الزائغة . . والأيدي تمتد للتخطف ؛ والقلة المسلمة في ارتقاب وتوجس ! ومن هذا المشهد المفزع إلى الأمن والقوة والنصر والرزق الطيب والمتاع الكريم ، في ظل اللّه الذي آواهم إلى حماه :
« فَآواكُمْ ، وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ »
. .
وفي ظل توجيه اللّه لهم ليشكروا فيؤجروا :
« لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. .
فمن ذا الذي يتأمل هذه النقلة البعيدة ، ثم لا يستجيب لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية . . صوت الرسول الأمين الكريم . . ثم من ذا الذي لا يشكر اللّه على إيوائه ونصره وآلائه ؛ وهذا المشهد وذلك معروضان عليه ، ولكل منهما إيقاعه وإيحاؤه ؟
على أن القوم إنما كانوا يعيشون هذا المشهد وذاك . . كانوا يذكرون بما يعرفون من حالهم في ماضيهم