تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1494

مساهمون:

ص١٤٩٤
فقد أفسدوا استعداداتهم الفطرية للتلقي والاستجابة ؛ فلم يفتح اللّه عليهم ما أغلقوا هم من قلوبهم ، وما أفسدوا هم من فطرتهم . ولو جعلهم اللّه يدركون بعقولهم حقيقة ما يدعون إليه ، ما فتحوا قلوبهم له ولا استجابوا لما فهموا . .
« وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ »
. . . لأن العقل قد يدرك ، ولكن القلب المطموس لا يستجيب . فحتى لو أسمعهم اللّه سماع الفهم لتولوا هم عن الاستجابة . والاستجابة هي السماع الصحيح . وكم من ناس تفهم عقولهم ولكن قلوبهم مطموسة لا تستجيب ! ومرة أخرى يتكرر الهتاف للذين آمنوا . الهتاف بهم ليستجيبوا للّه والرسول ، مع الترغيب في الاستجابة والترهيب من الإعراض ؛ والتذكير بنعمة اللّه عليهم حين استجابوا للّه وللرسول :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ . وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. . إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إنما يدعوهم إلى ما يحييهم . . إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة ، وبكل معاني الحياة . . إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول ، وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة ، ومن ضغط الوهم والأسطورة ، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة ، ومن العبودية لغير اللّه والمذلة للعبد أو للشهوات سواء . . ويدعوهم إلى شريعة من عند اللّه ؛ تعلن تحرر « الإنسان » وتكريمه بصدورها عن اللّه وحده ، ووقوف البشر كلهم صفا متساوين في مواجهتها ؛ لا يتحكم فرد في شعب ، ولا طبقة في أمة ، ولا جنس في جنس ، ولا قوم في قوم . . ولكنهم ينطلقون كلهم أحرارا متساوين في ظل شريعة صاحبها اللّه رب العباد . ويدعوهم إلى منهج للحياة ، ومنهج للفكر ، ومنهج للتصور ؛ يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة ، المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان ، العليم بما خلق ؛ هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد ؛ ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابي البناء . ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم ، والثقة بدينهم وبربهم ، والانطلاق في « الأرض » كلها لتحرير « الإنسان » بجملته ؛ وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية اللّه وحده ؛ وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له اللّه ، فاستلبها منه الطغاة ! ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل اللّه ، لتقرير ألوهية اللّه سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس ؛ وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة ؛ ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية اللّه - سبحانه - وحاكميته وسلطانه ؛ حتى يفيئوا إلى حاكمية اللّه وحده ؛ وعندئذ يكون الدين كله للّه . حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة . ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهو دعوة إلى الحياة بكل معاني الحياة . إن هذا الدين منهج حياة كاملة ، لا مجرد عقيدة مستسرة . منهج واقعي تنمو الحياة في ظله وتترقى . ومن ثم