ولقد مر بنا في استعراض أحداث الموقعة من كتب السيرة : أن خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري - أو أبوه إيماء بن رحضة الغفاري - بعث إلى قريش ، حين مروا به ، ابنا له بجزائر أهداها لهم ؛ وقال لهم : إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا . قال : فأرسلوا إليه مع ابنه : أن وصلتك رحم ! قد قضيت الذي عليك . فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم . ولئن كنا إنما نقاتل اللّه - كما يزعم محمد - فما لأحد باللّه من طاقة .
كذلك مر بنا قول الأخنس بن شريق لبني زهرة - وهو مشرك وهم مشركون - : يا بني زهرة قد نجى اللّه لكم أموالكم ، وخلص لكم صاحبكم مخرقة بن نوفل . . إلخ ومثله استفتاح أبي جهل نفسه - فرعون هذه الأمة كما قال عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وهو يقول :
« اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة » . .
وكذلك قوله لحكيم بن حزام وقد جاءه رسولا من عتبة بن ربيعة ليرجع عن القتال : « كلا واللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا بين محمد » ! فهكذا كان تصورهم للحقيقة الإلهية ، واستحضارهم لها في كل مناسبة . ولم يكن أمرهم أنهم لا يعرفون اللّه ؛ أو لا يعرفون أنه ما لأحد باللّه من طاقة ، أو لا يعرفون أنه هو الذي يحكم ويفصل بين الجبهتين حيث لا راد لحكمه ! انما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداء في تلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غير اللّه ، الذي يعرفونه ويعترفون به على هذا النحو . . الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوام يظنون أنهم مسلمون - على دين محمد - كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين أبيهم إبراهيم ! حتى لكان أبو جهل - وهو أبو جهل - يستفتح على اللّه فيقول : « اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف - وفي رواية : اللهم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم - فأحنه الغداة » ! فأما تلك الأصنام التي عرف أنهم يعبدونها ، فما كان ذلك قط لاعتقادهم بألوهية لها كألوهية اللّه - سبحانه - ولقد صرح القرآن الكريم بحقيقة تصورهم الاعتقادي فيها وبسبب تقديمهم الشعائر لها في قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
. . فهذا كان مبلغ تصورهم لها . . مجرد شفعاء عند اللّه . . وما كان شركهم الحقيقي من هذه الجهة ؛ ولا كان إسلام من أسلم منهم متمثلا في مجرد التخلي عن الاستشفاع بهذه الأصنام . وإلا فإن الحنفاء ، الذي اعتزلوا عبادة الأصنام هذه وقدموا الشعائر للّه وحده ما اعتبروا مسلمين ! إنما تمثل الإسلام في الاعتقاد والشعائر وإفراد اللّه سبحانه بالحاكمية . والذين لا يفردون اللّه سبحانه بالحاكمية - في أي زمان وفي أي مكان - هم مشركون . لا يخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا اللّه - مجرد اعتقاد - ولا أن يقدموا الشعائر للّه وحده . . فإلى هنا يكونون كالحنفاء الذين لم يعتبرهم أحد مسلمين - إنما يعتبر الناس مسلمين حين يتمون حلقات السلسلة ، أي حين يضمون إلى الاعتقاد والشعائر ، إفراد اللّه سبحانه بالحاكمية ، ورفضهم الاعتراف بشرعية حكم أو قانون أو وضع أو قيمة أو تقليد لم يصدر عن اللّه وحده . . وهذا وحده هو الإسلام ، لأنه وحده مدلول شهادة : أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ؛ كما عرف هذا المدلول في الاعتقاد الإسلامي وفي الواقع الإسلامي سواء ! . . ثم أن يتجمع هؤلاء الذين يشهدون أن لا إله إلا اللّه على هذا النحو وبهذا المدلول في تجمع حركي بقيادة مسلمة وينسلخوا من التجمع الجاهلي وقيادته الجاهلية ! وهذا ما ينبغي أن يتبينه الذين يريدون أن يكونوا « مسلمين » فلا تخدعهم عن حقيقة ما هم فيه خدعة أنهم