تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1491

مساهمون:

ص١٤٩١
وتقديرهم . . فلا مجال إذن للخوف ، ولا مجال إذن للهزيمة ، ولا مجال إذن لأن يولي المؤمنون الأدبار عند لقاء الكفار . . ويتصل السياق هنا بكل ملابسات المعركة . . فإذا كان اللّه هو الذي قتل المشركين ، وهو الذي رماهم ، وهو الذي أبلى المؤمنين فيها ذلك البلاء الحسن ، وهو الذي أوهن كيد الكافرين . . فما النزاع والاختلاف إذن في الأنفال ، والمعركة كلها أديرت بتدبير اللّه وبتقديره ، وليس لهم فيها إلا أن كانوا ستارا لهذا التدبير والتقدير ؟ ! وعندما يصل السياق إلى تقرير . . أن اللّه موهن كيد الكافرين . . يتجه بالخطاب إلى الكافرين ، أولئك الذين استفتحوا قبيل المعركة ، فدعوا اللّه أن يجعل الدائرة على أضل الفريقين وآتاهما بما لا يعرف وأقطعهما للرحم - كما كان دعاء أبي جهل وهو استفتاحه : أي طلبه الفتح من اللّه والفصل - فدارت الدائرة على المشركين ! . . يتوجه إليهم بالخطاب ، ساخرا من استفتاحهم ذاك ؛ مؤكدا لهم أن ما حدث في بدر إنما هو نموذج من السنة الجارية وليس فلتة عارضة ؛ وأن جموعهم وكثرتهم لن تغير من الأمر شيئا ؛ لأنها السنة الجارية : أن يكون اللّه مع المؤمنين :
« إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ . وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ، وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ . وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . إن تستفتحوا فتطلبوا من اللّه أن يفتح بينكم وبين المسلمين ، وأن يهلك أضل الفريقين وأقطعهما للرحم . . فقد استجاب اللّه ، فجعل الدائرة عليكم ، تصديقا لاستفتاحكم ! لقد دارت الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم ! ولقد علمتم - إن كنتم تريدون أن تعلموا - من هم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم ! وعلى ضوء هذه الحقيقة ، وفي ظل هذا الإيحاء ، يرغبهم في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر والحرب للمسلمين ، والمشاقة للّه ورسوله :
« وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ »
. . ومع الترغيب الترهيب :
« وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ »
. . والعاقبة معروفة ، لا يغيرها تجمع ، ولا تبدلها كثرة :
« وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ »
. . وما ذا تفعل الكثرة إذا كان اللّه في جانب المؤمنين ؟
« وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . إن المعركة على هذا النحو لن تكون متكافئة أبدا ؛ لأن المؤمنين - ومعهم اللّه - سيكونون في صف ؛ والكفار - وليس معهم إلا ناس من البشر من أمثالهم - سيكونون في الصف الآخر . والمعركة على هذا النحو مقررة المصير ! ولقد كان مشركو العرب يعرفون هذه الحقيقة . فإن معرفتهم باللّه سبحانه لم تكن قليلة ولا سطحية ولا غامضة ؛ كما يتصور الناس اليوم من خلال تأثرهم ببعض التعميمات التاريخية . ولم يكن شرك العرب متمثلا في إنكار اللّه - سبحانه - ولا في عدم معرفتهم الحقيقة . . إنما كان يتمثل ، أكثر ما يتمثل ، في عدم إخلاصهم العبودية له ؛ وذلك بتلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غيره ؛ وهو ما لم يكن متفقا مع إقرارهم بألوهية اللّه ومعرفتهم لحقيقته . .
في ظلال القرآن — صفحة 1491 | سيد قطب