تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1488

مساهمون:

ص١٤٨٨
عليه وسلم : « اجتنبوا السبع الموبقات » قيل : يا رسول اللّه وما هن ؟ قال : « الشرك باللّه ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » . . وقد أورد الجصاص في « أحكام القرآن » تفصيلا لا بأس من الإلمام به قال : « قال اللّه تعالى :
« وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ »
روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر . قال أبو نضرة لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم . . وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد ، لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار ، ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج ، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال ، وإنما ظنوا أنها العير ، فخرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيمن خف معه . فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا ، انحازوا إلى المشركين ، غلط لما وصفنا . . وقد قيل : إنه لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولم يكن الانحياز جائزا لهم عنه ، قال اللّه تعالى :
« ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ »
: فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم - صلى اللّه عليه وسلم - وينصرفوا عنه ويسلموه ، وإن كان اللّه قد تكفل بنصره وعصمه من الناس ، كما قال اللّه تعالى :
« وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ »
وكان ذلك فرضا عليهم ، قلت أعداؤهم أو كثروا ، وأيضا فإن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كان فئة المسلمين يومئذ ، ومن كان بمنحاز عن القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة ، وكان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فئتهم يومئذ ، ولم تكن فئة غيره . قال ابن عمر : كنت في جيش ، فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة ، فقلنا : نحن الفرارون . فقال النبي عليه السلام : « أنا فئتكم » . فمن كان بالبعد من النبي - صلى اللّه عليه وسلم - إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه ، فلم يكن يجوز لهم الفرار . وقال الحسن في قوله تعالى :
« وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ »
قال : شددت على أهل بدر . وقال اللّه تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا »
وذلك لأنهم فروا عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وكذلك يوم حنين فروا عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فعاقبهم اللّه على ذلك في قوله تعالى :
« وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ »
. . فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قل العدو أو كثر ، إذا لم يجد اللّه فيه شيئا . . وقال اللّه تعالى في آية أخرى :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
وهذا - واللّه أعلم - في الحال التي لم يكن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - حاضرا معهم ، فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين لا يهربوا عنهم ، فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :
« الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ »
فروي عن ابن عباس أنه قال : كتب عليكم ألا يفر واحد من عشرة : ثم قلت :
« الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً »
. . . الآية . فكتب عليكم ألا يفر مائة من مائتين . وقال ابن عباس : إن فر رجل من رجلين فقد فر ، وإن فر من ثلاثة فلم يفر - قال الشيخ يعني بقوله : فقد فر : الفرار من الزحف المراد بالآية ، والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار ، فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة ،
في ظلال القرآن — صفحة 1488 | سيد قطب