تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1490

مساهمون:

ص١٤٩٠
تبلغ أن تكون هزيمة وفرارا . والآجال بيد اللّه ، فما يجوز أن يولي المؤمن خوفا على الحياة . وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها . فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانا . فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة . ثم يمتاز المؤمن بأنه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها . ثم إنه إلى اللّه إن كان حيا ، وإلى اللّه إن كتبت له الشهادة . فهو في كل حالة أقوى من خصمه الذي يواجهه وهو يشاق اللّه ورسوله . . ومن ثم هذا الحكم القاطع :
« وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
. ولا بد أن نقف هنا عند التعبير ذاته ، وما فيه من إيماءات عجيبة : « فلا تولوهم الأدبار » . . « ومن يولهم يومئذ دبره » . . فهو تعبير عن الهزيمة في صورتها الحسية ، مع التقبيح والتشنيع ، والتعريض بإعطاء الأدبار للأعداء ! . . ثم : « فقد باء بغضب من اللّه » . . فالمهزوم مولّ ومعه « غضب من اللّه » يذهب به إلى مأواه :
« وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
. . وهكذا تشترك ظلال التعبير مع دلالته في رسم الجو العام ؛ وتثير في الوجدان شعور الاستقباح والاستنكار للتولي يوم الزحف والفرار . ثم يمضي السياق بعد هذا التحذير من التولي يوم الزحف ؛ ليكشف لهم عن يد اللّه وهي تدير المعركة من ورائهم ؛ وتقتل لهم أعداءهم ، وترمي لهم وتصيب . . . وهم ينالون أجر البلاء لأن اللّه يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء ، ليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه :
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ - إِذْ رَمَيْتَ - وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . وتذهب الروايات المأثورة إلى تفسير الرمي هنا بأنه رمية الحصى التي حثاها النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في وجوه الكفار ، وهو يقول : « شاهت الوجوه . شاهت الوجوه » فأصابت وجوه المشركين ممن كتب عليهم القتل في علم اللّه . . ولكن دلالة الآية أعم . فهي تمثل تدبير اللّه للأمر كله من وراء الحركة الظاهرة للنبي صلى اللّه عليه وسلم والعصبة المسلمة معه . ولذلك تلاها قول اللّه تعالى :
« وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً »
. . أي ليرزقهم من عنده أن يبلوا البلاء الحسن الذي ينالون عليه الأجر ، بعد أن يكتب لهم به النصر . فهو الفضل المضاعف أولا وأخيرا .
« إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم ؛ ويجعلكم ستارا لقدرته ، متى علم منكم الخلوص له ؛ ويعطيكم النصر والأجر . . كما أعطاكم هذا وذاك في بدر . .
« ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ »
. . وهذه أخرى بعد تلك الأولى ! إن التدبير لا ينتهي عند أن يقتل لكم أعداءكم بأيديكم ، ويصيبهم برمية رسولكم ، ويمنحكم حسن البلاء ليأجركم عليه . . إنما هو يضيف إليه توهين كيد الكافرين ، وإضعاف تدبيرهم