وعلموا منها أنهم لم يكونوا فيها سوى ستار لقدر اللّه وقدرته . . اللّه هو الذي أخرج رسوله من بيته بالحق - لم يخرجه بطرا ولا اعتداء ولا طغيانا - واللّه هو الذي اختار لهم إحدى الطائفتين لأمر يريده ، من قطع دابر الكافرين « ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون » . . واللّه هو الذي أمدهم بألف من الملائكة مردفين . .
واللّه هو الذي غشاهم النعاس أمنة منه ، ونزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به ، ويذهب عنهم رجز الشيطان ، وليربط على قلوبهم ويثبت به الأقدام . . واللّه هو الذي أوحى إلى الملائكة ليثبتوا الذين آمنوا ، وألقى في قلوب الذين كفروا الرعب . . واللّه هو الذي أشرك الملائكة في المعركة وأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق وأن يضربوا من المشركين كل بنان . . واللّه هو الذي غنمهم الغنيمة ورزقهم من فضله بعد أن خرجوا بلا مال ولا ظهر ولا عتاد . .
الآن . . وقد استعرض السياق القرآني هذا كله ، فأعاده حاضرا في قلوبهم ، شاخصا لأبصارهم . وهو يتضمن صورة من النصر الحاسم الذي لا يستند إلى تدبير بشري ، ولا إلى قوة العدد ولا قوة العدة ؛ إنما يستند إلى تدبير اللّه وتقديره وعونه ومدده ؛ كما يستند إلى التوكل على اللّه وحده ، والالتجاء إليه ، والاستغاثة به ، والسير مع تدبيره وتقديره . .
الآن . . وهذا المشهد حاضر في القلوب شاخص للأبصار . . الآن . . وفي أنسب اللحظات لاستجابة القلوب للتوجيه . . الآن يجيء الأمر للذين آمنوا - بصفتهم هذه - أن يثبتوا إذا لقوا الذين كفروا ؛ وألا يولوهم الأدبار من الهزيمة والفرار ؛ ما دام أن النصر والهزيمة موكولان إلى إرادة فوق إرادة الناس ؛ وإلى أسباب غير الأسباب الظاهرة التي يراها الناس ؛ وما دام أن اللّه هو الذي يدبر أمر المعركة - كما يدبر الأمر كله - وهو الذي يقتل الكفار بأيدي المؤمنين ؛ وهو الذي ينجح الرمية حين ترمى - وإنما المؤمنون ستار للقدرة يريد اللّه أن يجعل لهم ثواب الجهاد والبلاء فيه - وهو الذي يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ويوهن تدبيرهم ويذيقهم العذاب في الدنيا والآخرة لأنهم شاقوا اللّه ورسوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ »
. .
ويبدو في التعبير القرآني شدة في التحذير ؛ وتغليظ في العقوبة ؛ وتهديد بغضب من اللّه ومأوى في النار :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
. .
والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا « زحفا » أي متدانين متقاربين متواجهين ؛ فلا تفروا عنهم ، إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب ، حيث تختارون موقعا أحسن ، أو تدبرون خطة أحكم ؛ أو أن يكون ذلك انضماما إلى فئة أخرى من المسلمين ، أو إلى قواعد المسلمين ، لتعاودوا القتال . . وأن من تولى ، وأعطى العدو دبره يوم الزحف فقد استحق ذلك العقاب : غضبا من اللّه ومأوى في جهنم . .
وقد وردت بعض الأقوال في اعتبار هذا الحكم خاصا بأهل بدر ، أو بالقتال الذي يكون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حاضره . ولكن الجمهور على أنها عامة ، وأن التولي يوم الزحف كبيرة من السبع الموبقات .
كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه