تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1458

مساهمون:

ص١٤٥٨
اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر ، فقال : « إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا » . « وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري - أو أبوه إيماء بن رحضة الغفاري - بعث إلى قريش - حين مروا به - ابنا له بجزائر ( أي ذبائح ) أهداها لهم . وقال : إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا . قال : فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم . قد قضيت الذي عليك . فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما نقاتل اللّه ، كما يزعم محمد ، فما لأحد باللّه من طاقة . فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيهم حكيم ابن حزام . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « دعوهم » . فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل . إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل . ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه . فكان إذا اجتهد في يمينه قال : لا والذي نجاني من يوم بدر ! قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم ، عن أشياخ من الأنصار قالوا : لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي ، فقالوا : احزر لنا أصحاب محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) قال : فاستجال بفرسه حول العسكر ! ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاث مائة رجل ، يزيدون قليلا أو ينقصون . ولكن أمهلوني حتى انظر أللقوم كمين أو مدد . قال : فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم ، فقال : ما وجدت شيئا ، ولكني قد رأيت يا معشر قريش ، البلايا تحمل المنايا . نواضح يثرب تحمل الموت الناقع . قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، واللّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم ! فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، هل لك إلى ألا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي . قال : قد فعلت ، أنت عليّ بذلك ، إنما هو حليفي فعليّ عقله ( أي دية أخيه الذي قتل في سرية عبد اللّه بن جحش كما سبق ) وما أصيب من ماله . فأت ابن الحنظلية فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره . يعني أبا جهل بن هشام . ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال : يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا . واللّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته . فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون . قال حكيم : فانطلقت حتى جئت أبا جهل ، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها . فقلت له : يا أبا الحكم ، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ، للذي قال ، فقال : انتفخ واللّه سحره ( يعني انتفخت رئته من الخوف ! ) حين رأى محمدا وأصحابه . كلا ! واللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه ( يعني أبا حذيفة رضي اللّه عنه وكان مسلما مع المسلمين ) فقد تخوفكم عليه ! ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي ، فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس . وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فأنشد خفرتك ( أي عهدك ) ومقتل أخيك ! فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ، ثم صرخ : وا عمراه ! فحميت الحرب ، وحقب أمر الناس ( أي اشتد ) واستوسقوا على ما هم عليه من الشر . فأفسد على الناس
في ظلال القرآن — صفحة 1458 | سيد قطب