تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1457

مساهمون:

ص١٤٥٧
فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو رضي اللّه عنهم يتحسسون على الماء . وأشار لهم إلى ظريب ( تصغير ظرب وهو الجبل الصغير المنبسط في حجارة دقاق ) وقال : أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب الذي يلي الظرب . فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم ( الروايا من الإبل حوامل الماء وسقاء جمع سقاء ) فأفلت عامتهم - وفيهم عجير - فجاء قريشا ، فقال : يا آل غالب ، هذا ابن أبي كبشة ( يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم ) وأصحابه قد أخذوا سقاءكم . فماج العسكر وكرهوا ذلك ، والسماء تمطر عليهم . وأخذ تلك الليلة أبو يسار غلام عبيدة بن سعيد بن العاص ، وأسلم غلام منبه بن الحجاج ، وأبو رافع غلام أمية بن خلف ، فأتي بهم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يصلي . فقالوا : نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء . فكره القوم خبرهم فضربوهم . فقالوا : نحن لأبي سفيان ، ونحن في العير ! فأمسكوا عنهم ! فسلم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقال : « إن صدقوكم ضربتموهم ، وإن كذبوكم تركتموهم ! » ثم أقبل عليهم يسألهم ، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب ، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا ، وأعلموه بمن خرج من مكة . فقال صلى اللّه عليه وسلم : القوم ما بين الألف والتسعمائة . وقال : « هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها » . واستشار أصحابه في المنزل ، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح . . انطلق بنا إلى أدنى بئر إلى القوم . فإني عالم بها وبقلبها . بها قليب ( أي بئر قديمة لا يعلم من حفرها ) قد عرفت عذوبة مائه ، وماء كثير لا ينزح . ثم نبني عليها حوضا ، ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ؛ ونعور ما سواها من القلب . فقال : يا حباب أشرت بالرأي ( وفي رواية ابن هشام عن ابن إسحاق أن الحباب بن المنذر قال : يا رسول اللّه ، هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : « بل هو الرأي والحرب والمكيدة » قال : يا رسول اللّه ، هذا ليس بمنزل . . ثم أشار بما أشار ) ونهض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فنزل على القليب ببدر . وبات تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة ( أي ما بقي من جذعها بعد قطع أعلاه ) . وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان . وفعل ما أشار به الحباب . . وبعث اللّه السماء ، فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنع من السير . وأصاب قريشا من ذلك ما لم يقدروا أن يرتحلوا منه . وإنما بينهم قوز من رمل . وكان مجيء المطر نعمة وقوة للمؤمنين ، وبلاء ونقمة على المشركين . وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم . فناموا ، حتى إن أحدهم تكون ذقنه بين ثدييه وما يشعر حتى يقع على جنبه . واحتلم رفاعة ابن رافع بن مالك حتى اغتسل آخر الليل . . وبعث - صلى اللّه عليه وسلم - عمار بن ياسر وعبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنهما - فأطافا بالقوم ، ثم رجعا فأخبراه أن القوم مذعورون ، وأن السماء تسح عليهم . وبني لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لما نزل على القليب - عريش من جريد . وقام سعد بن معاذ على بابه متوشح السيف . ومشى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على موضع الوقعة ، وعرض على أصحابه مصارع رؤوس الكفر من قريش مصرعا مصرعا ، يقول : هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان . . فما عدا واحد منهم مضجعه الذي حدّ له الرسول . وعدل صلى اللّه عليه وسلم الصفوف . ورجع إلى العريش فدخل - صلى اللّه عليه وسلم - وأبو بكر رضي اللّه عنه . قال ابن إسحاق : وقد ارتحلت قريش حتى أصبحت فأقبلت . فلما رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - تصوّب من العقنقل ( وهو الكثيب الذي جاءوا منه ) إلى الوادي ، قال : « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك ، وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغداة » . وقد قال رسول