تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1456

مساهمون:

ص١٤٥٦
قال ابن إسحاق : وخرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه . وكانت إبل أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يومئذ سبعين بعيرا فاعتقبوها ( أي كانوا يركبونها بالتعاقب ) فكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وعلي بن أبي طالب ، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا . وكان حمزة بن عبد المطلب ، وزيد بن حارثة ، وأبو كبشة وأنسة موليا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعتقبون بعيرا . وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا . . قال المقريزي في إمتاع الأسماع : ومضى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش . فاستشار الناس ، فقام أبو بكر - رضي اللّه عنه - فقال فأحسن . ثم قام عمر فقال فأحسن . ثم قال : يا رسول اللّه ، إنها واللّه قريش وعزها ، واللّه ما ذلت منذ عزت ، واللّه ما آمنت منذ كفرت ، واللّه لا تسلم عزها أبدا ، ولتقاتلنك ، فأتهب لذلك أهبته ، وأعد لذلك عدته . ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول اللّه ، امض لأمر اللّه ، فنحن معك ، واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها :
« فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ »
. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا معكما مقاتلون . والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا » ( وبرك الغماد موضع بأقصى اليمن ) فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خيرا ودعا له بخير . . ثم قال : « أشيروا علي أيها الناس » . وإنما يريد الأنصار . . وكان يظنهم لا ينصرونه إلا في الدار ، لأنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم ( وذلك في بيعة العقبة الثانية التي هاجر على أساسها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى المدينة ) فقام سعد بن معاذ - رضي اللّه عنه - فقال : أنا أجيب عن الأنصار ، كأنك يا رسول اللّه تريدنا ! قال : « أجل » . قال : إنك عسى أن تكون قد خرجت عن أمر قد أوحي إليك في غيره ( يعني كما يبدو أنك ربما تكون قد خرجت لأمر ثم أوحي إليك في غيره إذ كان قد خرج للعير ثم عرض النفير ) ، فإنا قد آمنا بك ، وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به حق ، فأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة . فامض يا نبي اللّه لما أردت . فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل . وصل من شئت ، واقطع من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ؛ وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت . والذي نفسي بيده ما سلكت هذا الطريق قط ، وما لي بها من علم ؛ وما نكره أن نلقى عدونا غدا ، وإنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل اللّه يريك منا بعض ما تقر به عيناك . . وفي رواية أن سعد بن معاذ قال : إنا خلفنا من قومنا قوما ما نحن بأشد حبا لك منهم ، ولا أطوع لك منهم ؛ ولكن إنما ظنوا أنها العير . نبني لك عريشا فتكون فيه ، ونعد عندك رواحلك ، ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا اللّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببناه ، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا . . فقال له النبي - صلى اللّه عليه وسلم - خيرا . وقال : « أو يقضي اللّه خيرا من ذلك يا سعد » . فلما فرغ سعد من المشورة قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « سيروا على بركة اللّه ، فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين . واللّه لكأني انظر إلى مصارع القوم » . . فعلم القوم أنهم إنما يلاقون القتال وأن العير تفلت ؛ ورجوا النصر لقول النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ومن يومئذ عقد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الألوية . وهي ثلاثة ، لواء يحمله مصعب بن عمير . ورايتان سوداوان . إحداهما مع علي ، والأخرى مع رجل من الأنصار ( هو سعد بن معاذ ) وأظهر السلاح . . وكان خرج من المدينة على غير لواء معقود . . . . ونزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشر مضت من رمضان ،
في ظلال القرآن — صفحة 1456 | سيد قطب