تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1453

مساهمون:

ص١٤٥٣
على ضوء هذا البيان لطبيعة هذا الدين وحقيقته ، ولطبيعة الجهاد فيه وقيمته ، ولمنهج هذا الدين وخطته الحركية في الجهاد ومراحله . . نستطيع أن نمضي في تقييم غزوة بدر الكبرى ، التي قال اللّه سبحانه عن يومها إنه « يوم الفرقان » . . وأن نمضي كذلك في التعرف إلى سورة الأنفال ، التي نزلت في هذه الغزوة ، على وجه الإجمال . لم تكن غزوة بدر الكبرى هي أولى حركات الجهاد الإسلامي - كما بينا من قبل - فقد سبقتها عدة سرايا ، لم يقع قتال إلا في واحدة منها ، هي سرية عبد اللّه بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . . وكانت كلها تمشيا مع القاعدة التي يقوم عليها الجهاد في الإسلام . والتي أسلفت الحديث عنها من قبل . . نعم إنها كلها كانت موجهة إلى قريش التي أخرجت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وللمسلمين الكرام ؛ ولم تحفظ حرمة البيت الحرام المحرمة في الجاهلية وفي الإسلام ! ولكن هذا ليس الأصل في انطلاقة الجهاد الإسلامي . إنما الأصل هو إعلان الإسلام العام بتحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه ؛ وبتقرير ألوهية اللّه في الأرض ؛ وتحطيم الطواغيت التي تعبد الناس ، وإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده . . وقريش كانت هي الطاغوت المباشر الذي يحول بين الناس في الجزيرة وبين التوجه إلى عبادة اللّه وحده ؛ والدخول في سلطانه وحده . فلم يكن بد أن يناجز الإسلام هذا الطاغوت ، تمشيا مع خطته العامة ؛ وانتصافا في الوقت ذاته من الظلم والطغيان اللذين وقعا بالفعل على المسلمين الكرام ؛ ووقاية كذلك لدار الإسلام في المدينة من الغزو والعدوان . . وإن كان ينبغي دائما ونحن نقرر هذه الأسباب المحلية القريبة أن نتذكر - ولا ننسى - طبيعة هذا الدين نفسه وخطته التي تحتمها طبيعته هذه . وهي ألا يترك في الأرض طاغوتا يغتصب سلطان اللّه ؛ ويعبد الناس لغير ألوهيته وشرعه بحال من الأحوال ! أما أحداث هذه الغزوة الكبرى فنجملها هنا قبل استعراض سورة الأنفال التي نزلت فيها ، ذلك لنتنسم الجو الذي نزلت فيه السورة ؛ وندرك مرامي النصوص فيها ؛ وواقعيتها في مواجهة الأحداث من ناحية ؛ وتوجيهها للأحداث من الناحية الأخرى . . ذلك أن النصوص القرآنية لا تدرك حق إدراكها بالتعامل مع مدلولاتها البيانية واللغوية فحسب ! ! إنما تدرك أولا وقبل كل شيء بالحياة في جوها التاريخي الحركي ؛ وفي واقعيتها الإيجابية ؛ وتعاملها مع الواقع الحي . وهي - وإن كانت أبعد مدى وأبقى أثرا من الواقع التاريخي الذي جاءت تواجهه - لا تتكشف عن هذا المدى البعيد إلا في ضوء ذلك الواقع التاريخي . . ثم يبقى لها إيحاؤها الدائم ، وفاعليتها المستمرة ، ولكن بالنسبة للذين يتحركون بهذا الدين وحدهم ؛ ويزاولون منه شبه ما كان يزاوله الذين تنزلت هذه النصوص عليهم أول مرة ؛ ويواجهون من الظروف والأحوال شبه ما كان هؤلاء يواجهون ! ولن تتكشف أسرار هذا القرآن قط للقاعدين ، الذين يعالجون نصوصه في ضوء مدلولاتها اللغوية والبيانية فحسب . . وهم قاعدون ! . . قال ابن إسحاق « 1 » : ثم إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة ، فيها أموال لقريش ، وتجارة من تجاراتهم . وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو أربعون . . قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد اللّه بن أبي بكر ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير . وغيرهم من علمائنا ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . . كل قد
هامش
( 1 ) واعتمد ابن كثير على ابن إسحاق في روايته للغزوة في كتابه : « البداية والنهاية » ولم يفترق المقريزي في « إمتاع الأسماع » عن هذه الرواية في كثير . وكذلك رواها باختصار الإمام ابن قيم الجوزية في « زاد المعاد » والإمام ابن حزم في « جوامع السيرة » وقد استقينا من جميعها