تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1450

مساهمون:

ص١٤٥٠
ولم يسع سعيه وراء تغيير نظم الحكم وإقامة نظام الحق . . نظام الحكم المؤسس على قواعد الإسلام . . ولم يجاهد حق جهاده في هذه السبيل ، فاتته غايته . وقصر عن تحقيق البغية التي أنشئ لأجلها . فإنه ما أنشئ إلا لإدراك هذه الغاية ، وتحقيق هذه البغية . . بغية إقامة نظام الحق والعدل . . ولا غاية له ولا عمل إلا الجهاد في هذه السبيل . وهذه الغاية الوحيدة التي بينها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ »
. . ( آل عمران : 110 ) « ولا يظن أحد أن هذا الحزب . . « حزب اللّه » بلسان الوحي . . مجرد جماعة من الوعاظ المبشرين ، يعظون الناس في المساجد ، ويدعونهم إلى مذاهبهم ومسالكهم بالخطب والمقالات ليس إلا ! ليس الأمر كذلك ! وإنما هو حزب أنشأه اللّه ليحمل لواء الحق والعدل بيده ، ويكون شهيدا على الناس ؛ ومن مهمته التي ألقيت على كاهله من أول يوم أن يقضي على منابع الشر والعدوان ، ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض والاستغلال الممقوت ؛ وأن يكبح جماح الآلهة الكاذبة ، الذين تكبروا في أرض اللّه بغير الحق ؛ وجعلوا أنفسهم أربابا من دون اللّه ؛ ويستأصل شأفة ألوهيتهم . ويقيم نظاما للحكم والعمران صالحا يتفيأ ظلاله القاصي والداني والغني والفقير . . وإلى هذا المعنى أشار اللّه تعالى في غير واحدة من آي الذكر الحكيم :
« وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ »
. . ( الأنفال : 38 ) .
« إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ »
. . ( الأنفال : 73 ) .
« هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ »
. . ( التوبة : 33 ) « فتبين من كل ذلك أن هذا الحزب لا بد له من امتلاك ناصية الأمر ؛ ولا مندوحة له من القبض على زمام الحكم ؛ لأن نظام العمران الفاسد لا يقوم إلا على أساس حكومة مؤسسة على قواعد العدوان والفساد في الأرض ؛ وكذلك ليس من الممكن أن يقوم نظام للحكم صالح ، ويؤتي أكله ، إلا بعد ما ينتزع زمام الأمر من أيدي الطغاة المفسدين . ويأخذه بأيديهم رجال يؤمنون باللّه واليوم الآخر ؛ ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا . « وأضف إلى ذلك أن هذا الحزب ؛ بصرف النظر عما يرمي إليه من إصلاح العالم ؛ وبث الخير والفضيلة في أنحاء الأرض كافة ، لا يقدر أن يبقى ثابتا على خطته ، متمسكا بمنهاجه ، عاملا وفق مقتضياته ما دام نظام الحكم قائما على أساس آخر ، سائرا على منهاج غير منهاجه . وذلك أن حزبا مؤمنا بمبدإ ونظام للحياة والحكم خاص ، لا يمكن أن يعيش متمسكا بمبدئه عاملا حسب مقتضاه في ظل نظام للحكم مؤسس على مبادئ وغايات غير المبادئ والغايات التي يؤمن بها ، ويريد السير على منهاجها . فإن رجلا يؤمن بمبادئ الشيوعية ، إن أراد أن يعيش في بريطانيا أو ألمانيا ، متمسكا بمبدئه ، سائرا في حياته على البرنامج الذي تقرره الشيوعية ، فلن يتمكن من ذلك أبدا ، لأن النظم التي تقررها الرأسمالية أو الناتسية « 1 » تكون مهيمنة عليه ، قاهرة بما أوتيت من سلطان ، فلا يمكنه أن يتخلص من براثنها أصلا . . وكذلك إن أراد المسلم أن يقضي حياته مستظلا بنظام للحكم مناقض لمبادئ الإسلام الخالدة « 2 » وبوده أن يبقى مستمسكا بمبادئ الإسلام ، سائرا وفق مقتضاه في أعماله اليومية ، فلن يتسنى له ذلك ، ولا يمكنه أن ينجح في بغيته هذه أبدا . لأن القوانين التي يراها باطلة ، والضرائب
هامش
( 1 ) كتب هذا البحث سنة 1938 والنظام النازي قائم في ألمانيا . ( 2 ) وكل حكم لا تتمحض فيه العبودية للّه ، بسيطرة شريعة اللّه كلها على الحياة كلها هو حكم مناقض للإسلام
في ظلال القرآن — صفحة 1450 | سيد قطب