تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1439

مساهمون:

ص١٤٣٩
« وربما كان ذلك ، أيضا ، لقلة عدد المسلمين حينذاك ، وانحصارهم في مكة ، حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة . أو بلغت أخبارها متناثرة ، حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها ، حتى ترى ما ذا يكون مصير الموقف . ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة ، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك ، وتنمحي الجماعة المسلمة ، ولم يقم في الأرض للإسلام نظام ، ولا وجد له كيان واقعي . . وهو دين جاء ليكون منهاج حياة ، وليكون نظاما واقعيا عمليا للحياة . « . . . إلخ » . . . « 1 » فأما في المدينة - في أول العهد بالهجرة - فقد كانت المعاهدة التي عقدها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها ، ملابسة تقتضيها طبيعة المرحلة كذلك . . أولا : لأن هناك مجالا للتبليغ والبيان ، لا تقف له سلطة سياسية تمنعه وتحول بين الناس وبينه ، فقد اعترف الجميع بالدولة المسلمة الجديدة ؛ وبقيادة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في تصريف شؤونها السياسية . فنصت المعاهدة على ألا يعقد أحد منهم صلحا ولا يثير حربا ، ولا ينشئ علاقة خارجية إلا بإذن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وكان واضحا أن السلطة الحقيقية في المدينة في يد القيادة المسلمة . فالمجال أمام الدعوة مفتوح ، والتخلية بين الناس وحرية الاعتقاد قائمة . ثانيا : أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كان يريد التفرغ - في هذه المرحلة - لقريش ؛ التي تقوم معارضتها لهذا الدين حجر عثرة في وجه القبائل الأخرى ؛ الواقفة في حالة انتظار لما ينتهي إليه الأمر بين قريش وبعض بنيها ! لذلك بادر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بإرسال « السرايا » وكان أول لواء عقده لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة . ثم توالت هذه السرايا ، على رأس تسعة أشهر . ثم على رأس ثلاثة عشر شهرا . ثم على رأس ستة عشر شهرا . ثم كانت سرية عبد اللّه بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا . وهي أول غزاة وقع فيها قتل وقتال . وكان ذلك في الشهر الحرام . والتي نزلت فيها آيات البقرة :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ! قُلْ : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ . وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا . . . »
« 2 » . ثم كانت غزوة بدر الكبرى في رمضان من هذه السنة . . وهي التي نزلت فيها هذه السورة التي نحن بصددها . ورؤية الموقف من خلال ملابسات الواقع ، لا تدع مجالا للقول بأن « الدفاع » بمفهومه الضيق كان هو قاعدة الحركة الإسلامية . كما يقول المهزومون أمام الواقع الحاضر ، وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر ! إن الذين يلجئون إلى تلمس أسباب دفاعية بحتة لحركة المد الإسلامي ، إنما يؤخذون بحركة الهجوم الاستشراقية ، في وقت لم تعد للمسلمين شوكة بل لم يعد للمسلمين إسلام ! - إلا من عصم اللّه ممن يصرون على تحقيق إعلان الإسلام العام بتحرير « الإنسان » في « الأرض » من كل سلطان إلا سلطان اللّه ، ليكون الدين كله للّه - فيبحثون عن مبررات أدبية للجهاد في الإسلام !
هامش
( 1 ) ص 713 - 716 من الجزء الخامس من الظلال : ( 2 ) يراجع تفسير الآية والغزوة في الجزء الثاني من الظلال ص 225 - 228 .